المشاركات الشائعة

الجمعة، 24 ديسمبر 2010

الحب في التراث العربي
أ. د. محمد حسن عبد الله

1- مقدمة :

هذا الموضوع - على كثرة ما كتب فيه - لا يزال جديداً -، أو متجددا، مثل الحياة الإنسانية التي يعد سرَّ أسرارها، فلولا الحب، في مستوياته المختلفة، ما كانت أسرة، ولا مجتمعات، ولا أوطان ولا فن أيضاً.
إن الغاية التي يعمل في دائرتها هذا الملتقى، وهى التواصل مع التراث العربي، تفرض إطلالة معينة، هي في جوهرها أدبية، مع أن موضوع الحب - في ذاته - يمكن أن يكون مهماً بالنسبة لعلم النفس، ولعلم الاجتماع، وربما لعلم الجريمة أيضا. ولكننا بهذا التوسع لا ننصف الحب، لأن علاقته بالانفعال المبدع، بالرغبة في التفوق، بقوة التفاعل مع الحياة، بشحن إرادة العمل، بالرغبة في تجميل الوجود.. هذه الشرائح المبهجة تظل أقوى حضوراً وتأثيرا فى تشكيل الضمير وتوجيه العمل أكثر مما يفعل حادث يمكن أن يوصف بأنه " عابر " مهما كانت قسوته، على نحو ما ينسب إلى الشاعر العباسي عبد السلام بن رغبان المعروف بلقبه " ديك الجن الحمصي" الذي شغف بجارية جميلة اسمها ورد، وقد تزوجها، فلما تدهور وضعه المالي رحل إلى بعض الكبراء يطلب عونه وترك " ورد " وحيدة في بيته، وقد أتاح هذا لحساده أن يحسنوا تلفيق التهمة لورد بأنها عشقت غلاما من غلمانه، وهنا عاد ديك الجن معجلا، وكما حدث في مسرحية"عطيل"، فإن العاشق الانفعالي أقرب إلى الشك والعنف، وهكذا قتل الشاعر زوجته الجميلة وغلامه البريء، وتذكر الأخبار أنه أحرق جثة ورد وصنع من ترابها كأساً كان يشرب فيه الخمر وهو يبكى وينشد :
وجنى لها ثمر الردى بيديها
يا طلعة طلع الحمام عليها
روّى الهوى شفتيّ من شفتيها
رويت من دمها الثرى ولطالما
ومدا معي تجرى على خديها
مكنت سيفي من مجال خناقها
شئ أعزّ علىّ من نعليْها
فوحق نعليها وما وطئ الحصى
أبكى إذا سقط الغبار عليها
ما كان قتليها لأني لم أكن
وأنفت من نظر الغلام إليها
لكن بخلت على سواي بحبها

هذه درجة من العشق تصل حد الجنون، وقد عرف الحب عند العرب من يدعون مجانين العشق، أي الذين ذهب الهوى بعقولهم، وقد اهتم بهم السّراج القارئ في كتابه " مصارع العشاق "، ولكننا نستطيع أن نؤكد أن الحب عند العرب ظل في مستوى التعلق البشرى البناء، الذي يجعل من المحب رجلا سويا، نظيفا، ظريفا، مهذبا، رقيقا، لبيبا، دون أن تحوله عواطفه تجاه المرأة إلى قاتل لها، أو مجنون بسببها.
لقد جاء إلينا روائي ناقد في أواسط القرن العشرين، وهو " إ.م. فورستر" – في كتابه: " أركان الرواية " ليفسر لنا أسباب إقبال كتاب الرواية على موضوع الحب. إنه يبدأ بعملية حصر للحقائق الرئيسية في حياة الإنسان، وهى فى رأيه خمس، يتفق فيها كل البشر: الولادة، والطعام، والنوم، والحب، والموت.إن فورستر، بعد أن يتمهل عند كل عنصر أو حقيقة من هذه الحقائق ليبين أثره وحجمه في تصورات كتاب الرواية يدخر الحديث عن " الحب " إلى الختام، وبعد أن يفلسف العلاقة بين الحب والجنس يرى أن الكائن البشرى عند ما يحب فإنه يسعى إلى التوصل إلى شئ ما، كما أنه يحاول إعطاء شئ ما ، وهذا الهدف المزدوج يجعل الحب أكثر تعقيدا من العناصر(الحقائق) الأخرى كالطعام أو النوم مثلا. ويلاحظ فورستر بحق أن الحب يستولي على مساحة كبيرة في الروايات ، ويرى – بحق أيضا- أن أى كاتب يفكر فى تأليف رواية فإن أول الخيوط التي تبدوا له تبدأ بأشواق الحب بين رجل وامرأة يريدان الاتحاد، وهنا ينبهنا فورستر إلى مفارقة طريفة ولاذعة حين يقول إن الحب لا يشغل فى حياتنا الواقعية مثل هذا الحجم الذي ينبسط عليه في الروايات من ثم، فإن علينا أن نفكر فى الأسباب، وليس في سبب واحد، ومن أهمها المساعدة على تمكين الحبكة الروائية، وتيسير بلوغ نهاية الرواية بانتصار الحب أو بموته بالضربة القاضية. ليست " الحبكة " كل شئ، إذ ينبغي أن ندرك أن موضوع الحب قادر على استيعاب أي موضوع آخر، ومنحه تشويقا لم يكن متاحا له بغير الحب، سأعطى أمثلة على ذلك: يستطيع الحب أن يمتزج بموضوع الحرب، وبموضوع الصراع الطبقي، وبموضوع اختلاف الدين، وبموضوع الغنى والفقر، وبموضوع الانحراف النفسي، وبموضوع صراع الأجيال، وبموضوع السوية الخلقية .. الخ. وهو موضوع مشترك يتعلق به كل البشر، ويتوقون للقراءة عنه، حتى أولئك الذين غلبت عليهم المادة، أو الجلافة، أو الجريمة ، وهنا أتذكر عبارة لابن قتيبة في تسويغه للمقدمة الغزلية فى القصيدة التراثية، تقول إن الشاعر القديم كان يلجأ إلى النسيب فيشكو شدة الوجد وألم الفراق، وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعى به إصغاء الأسماع إليه، لأن التشبيب قريب من النفوس والقلوب، لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقا منه بسبب، وضاربا فيه بسهم حلال أو حرام!!

2- زوايا ورؤى :

لقد بدأ فورستر بتعليل أسباب انتشار الحب في الروايات، ولكن الحب نفسه قبل الروايات، وقبل الشعر والشعراء، وهو إلى الشعر أقرب، وفى الفلسفة أقدم. من ثم تتعدد زوايا الدخول إلى موضوع الحب، وهذا يدل على غنى الفكر العربي، وعلى إيمانه بحرية السلوك الإنساني، ونسبية المكونات للماهية، فالفكر العربي لم يفرض قالبا واحدا جامدا للسوية أو للمثالية أو للشذوذ والانحراف.. وأقدم على هذا براهين من مؤلفات هي موضوع تقدير واحترام فى كل العصور، وقد يكفى فى هذا السياق أن أشير إلى ثلاثة كتب رسم كل منها صورة للحب مزج فيها بين تجربته الخاصة، وثقافته، وطبائع مجتمعه. أولها كتاب " الزهرة " الذي ألفه محمد بن داود الفقيه الظاهري(توفى 296هـ) وفيه نجد التصور الأساسي – إن صح القول – للحب فى التراث العربي، وهو أنه عاطفة سامية، وأنها قدر مقدر، وأنه ابتلاء يجب أن ينجح فيه الإنسان، بأن يحافظ على نقائه وعفته، وأن – وهذا مهم جدا – يحب من يهواها دون أن يطالبها بأن تهواه بالمقابل ، فإذا حدث هذا وتلاقيا فلا تثريب عليهما، ولكن حبه لها غير ملزم لها بأن تجاوبه حبا بحب. إن ابن داود لا يجافى الواقع، فقد عقد فصولاً لآفات الحب، وفى مقدمتها العاذل والرقيب. فإذا كان قد عرض لأطوار الحب وحالاته، فإنه تحدث عن آداب الحب، وأولها العفة. إن المحب قد يصل حد "الوله" بمحبوبه، " ولكن هذا التعلق الشديد والتفكر الدائم الذي يبلغ مدى الهيام ينبغي أن يكون بريئا من الاشتهاء أو الرغبة الجنسية. وهنا يبدو ابن داود حريصا على استدامة الحب، وفى رأيه - وهو الرأي الصواب - أن التعلق الجنسي أو اشتهاء الجسد ينهى علاقة الحب، وكذلك فإن عاشق الجسد مهما تظاهر بالعفة والترفع لابد أن يزل لسانه وتعثر قدمه، فيتساقط الطلاء الزائف ليبدو " الحيوان" تحت قشرة " الإنسان" !! ينبغي أن ندرك - حتى لا نظلم ابن داود - أنه لا ينكر الجنس ولا يستنكر الرغبة، كيف وهما مفتاح الوجود الإنساني، وسر الاستمرار، ولكنه لا يريد أن يكون الحب والجنس فى وعينا بمثابة المقدمة والنتيجة، أو أنهما شئ واحد. إن الحب عاطفة راقية تسمو بها النفس وتتهذب الطبائع، والزواج شركة بين ذكر وأنثى توافقا على تكوين أسرة وخوض تجربة حياة. إن ابن حزم صاحب كتاب " طوق الحمامة في الألفة والألاّف" (توفى 456هـ) يقدم الصورة الأخرى للحب عند العرب، وهى صورة أندلسية نستطيع أن نرى فيها قدراً من المادية، قدرا من الحرية، قدرا من الواقعية، قدرا من التعليل العلمي، ليس في تلك الصورة التي سبق إليها ابن داود ، على الرغم مما بين الرجلين من المعاني المشتركة، فكلاهما فقيهان، ظاهريان، ولكن ابن داود كان في بغداد حيث الفقهاء وأهل المجون يتواجهان بالخصومة أو الاستهجان، في حين كان ابن حزم في قرطبة، في زمن اختلطت فيه الأوراق، واشتبكت الثقافات !! يرى ابن حزم أن التجاوب بين الذكر والأنثى له أساس قدري أيضا، ولكن دافعه الحاضر هو الميل الجسدي، التجاذب والاستحسان، والتوافق النفسي/العصبي، وفى هذا الاتجاه يذكر من أخبار العشاق في زمانه ما يدل على مساحة واسعة من حرية السلوك بين أبناء العلية بصفة خاصة، ويستطيع من خلال هذا الطرح أن يتوصل إلى الكشف عن طبائع فطرية في المرأة، كما فى الرجل، تكاد تجعل من كتابه " طوق الحمامة " أساسا مبكرا لبحوث تطبيقية في علم نفس السلوك والطبائع. ثم يأتي العالم الثالث، وقد وزع فكرته فى أكثر من مكان في كتبه الكثر، وهو الجاحظ (توفى 255هـ) - وبخاصة مقالته عن النساء ورسالته عن القيان، ورسالته الأخرى عن المفاخرة بين الجواري والغلمان . لقد تحدث عن الجنس وليس عن الحب، وتحدث عن واقع مشاهد في القرن الثالث الهجري في البيئة العراقية المترفة، ولكنه - مع هذا - كان يرسم طبائع إنسانية - وسلوكيات اجتماعية، ويحدد مبادئ وميولا فطرية ذات أسانيد من الوراثة ومن المجتمع . ومن طبائع الطبقة. إن ما كتبه الجاحظ عن " القيان" - الجواري المغنيات - يرسم أمامنا صورا ترويها صحفنا فى هذا العصر عن حياة الليل في الملاهي وفى سهرات الوارثين وأشباههم.
هذه قسمة تكاد تكون منطقية، استوعبها التراث العربي، وعمق قنوات البحث فيها، وهى قسمة ثلاثية، ولكنها لا تحول دون الهبوط عنها، أو الارتفاع، فهناك الحب الشاذ(أو الجنس الشاذ) وفى مقابله الحب الإلهي، والحب في تصور كوني يشمل كل جوانب الوجود.

3- المستوى الكوني للحب :

لا نتوقع أن يختلف العرب عن غيرهم من الأمم أو الأجناس في فهم الحب، أو في معايشته، ومع هذا نستطيع أن نجد في أدبهم المبكر (الشعر بصفة خاصة) حفاوة بهذه العاطفة ربما تتجاوز ما تدل عليه إبداعات حضارات أخرى، ولا نستعبد أن يرجع هذا إلى ما كان عليه العرب في حياتهم قبل الإسلام من بساطة وبداوة واتساع في المكان وأنهم بهذا كانوا أقرب إلى قوانين الطبيعة المعتدلة التي تعرف كيف توازن بين الحاجات وكيف تكبح دوافع الأثرة التي يمكن أن تفضي إلى المهالك، فلما جاء الإسلام أضاف العنصر الديني إلى جانب ما تزكيه الفطرة، فلما نشطت الترجمة عن الفلسفات الأخرى(اليونانية خاصة) أضافت توسعا آخر في تشريح النفس الإنسانية وفلسفة الدوافع وتأصيل الميول .إننا نذكر هنا بأن ظاهرة الحب العذري عرفت حتى في العصر قبل الإسلام، الذي اصطلح على نعته بأنه العصر الجاهلي، فهناك عشاق عذريون بعضهم شعراء سجلوا تجاربهم بقصائد تروى إلى اليوم، ثم اتسعت الظاهرة في نور الإسلام وامتداحه للعفة وإلزامه للإنسان بتجنب الخطيئة. وهكذا تكاثر المحبون العذريون فى بادية الحجاز خاصة في القرن الأول الهجري، وأرجح أن الحب العذري غير قابل للتوقف مهما أوغلت الطبائع البشرية في ماديتها، لأنه جزء من الطبيعة، ومن إرادة التفوق الكامنة في الإنسان، ومن الاختلاف الفطري بين البشر، إن هذا الحب العذري يجد له مكانا لدى كثير منا في صورة الحب الأول الذي لا ينتهي (عادة) إلى زواج، ويقنع بأن يظل حاضرا في الذاكرة يدافع عن النقاء والجمال المجرد من الحاجة. تجمعت عناصر مختلفة من الدين، والفلسفة، والعلم، ليوجد الحب الصوفي ممثلا الدرجة الأعلى من الحب العذري، ثم يأتي الحب في صورته الشاملة، فإذا كان الحب الصوفي يكتفي بأن يصور الصوفي (رجلا كان أو امرأة) متوحدا في حب الله سبحانه، كما يذكر عن رابعة العدوية، وبشر الحافى، ومعروف الكرخى وأمثالهم، يرون في ذاته العلية الحقيقة الكاملة، ويستغنون بذاته عن كل موجود، وإذا نظروا إلى بشر فإنما لأنه مجلي الجمال الإلهي.. فإن من المتصوفين من رأى أن مظاهر الكون كلها يحفظها الحب، وينظم علاقاتها الحب، فالحب ليس عاطفة مقصورة على الإنسان، إن الحيوان يحب، والنبات يعشق ، وقد صور ابن السراج في " مصارع العشاق" مشاهد لعشق بين نخلتين ( ذكر وأنثى ) وبين أنواع من الطيور – وهناك من تجاوز هذا المدى إلى ما هو كوني بأن فسر قوانين الجاذبية الكونية بالحب أيضا، إذ لم يجد معنى أو قانونا علميا يفسر به بقاء كوكب في حالة انجذاب ودوران لا يتوقف حول كوكب آخر دون أن يكون بينهما نوع من العشق.
وتبقى إضافة أخيرة تتصل بمستويات الحب، وسنجد فيها دلالة إنسانية وعلمية عميقة،تتجاوز ما درج عليه بعض منا في الفصل القاطع بين الطبائع، وإسباغ ألوان متضادة لا تقبل التحول أو المشاركة، فالأبيض والأسود بينهما تضاد حولناه إلى خصومة، ومن حيث أننا بشر فإن طبائعنا إما أن تكون أرضية أو سماوية ، وأنت إما أن تكون حسيا أو عذريا في عواطفك تجاه النوع الآخر!! إن العرب لم يقروا هذا النوع من القسمة القاطعة، وفى تصويرهم للعشاق العذريين وجدنا من يشكك في عذريتهم، ويرى فيها مبالغة، وقد طرح كتاب " الأغاني" كل الاحتمالات الممكنة تجاه شخصية " قيس" وتعرفه واستمرار تعلقه بليلى ، ومن يتفحص بدايات هؤلاء العشاق الموصوفين بالعذرية وكيف كانت تجرى على سنن المألوف الخ . وهنا تأتى إضافة رائعة ونبيلة بكل المعاني، إذ تقرر أن النفوس القادرة على الحب البشرى هي بذاتها القادرة على الارتقاء به إلى مستوى الحب الإلهي. وهكذا لا يقيد باليأس أشواق الخطاة ولا تطلعهم إلى السمو وتحطيم قيود المادة التي تعوقهم في مرحلة من حياتهم. إن المحبة الإلهية غاية، وعن طريق اكتمال الإخلاص شفى المحبة تشرق القلوب بالمعرفة، وهذه غاية ما بعدها غاية بالنسبة للتراث الصوفي، وبهذا يكون الفناء فى ذات الله سبحانه هو الوجود الحق.

4- ببليوجرافيا مختارة لمصادر الحب في التراث العربي :

1- الأبشيهي : المستطرف من كل فن مستظرف.
2- الإنطاكي : تزيين الأسواق فى أخبار العشاق.
3- ابن الجوزي : ذم الهوى.
4- ابن أبى حجلة : ديوان الصبابة .
5- ابن حزم : طوق الحمامة فى الألفة والألاف.
6- ابن الخطب : روضة التعريف بالحب الشريف.
7- ابن داود : النصف الأول من كتاب الزهرة .
8- ابن الدباغ : مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب .
9- الديلمى : عطف الألف المألوف على اللام المعطوف.
10- السراج القارئ : مصارع العشاق.
11- السيوطى : نزهة الجلساء فى أشعار النساء.
12- الغزولى: مطالع البدور فى منازل السرور .
13- ابن قيم الجوزية: روضة المحبين ونزهة المشتاقين .
14- المرزبانى : أشعار النساء.
15- الوشاء : الموشى أو الظرف والظرفاء.
ونختم هذه اللمحة عن موضوعنا المهم بأن نذكر، ونتذكر أن موضوع الحب اكتسب عند القدماء جلالة وأهمية لا نملك اليوم بعضا منها، فقد ألف فيه الفقهاء، بل كبار الفقهاء، ويكفى أن نذكر فى هذا المجال ابن داود الأصفهاني، وهو فقيه على المذهب الظاهري، وكان أبوه مؤسس المذهب، كما كان ابن حزم فقيها وإماما ظاهريا كذلك، ولعل الوضوح " الظاهري" هنا يقرب إلينا منهج الظاهراتية في الدراسات الحديثة، ولكن الفقيهين الظاهريين يمثلان البداية في اتجاهين، أما الاهتمام الواضح والمستمر فقد كان من الفقهاء الحنابلة، وقد تنبهت إلى هذا بعض الدراسات الاستشراقية، ولعل هذا الكشف يرفع عن المذهب (الفقهي) الحنبلي ما يوصف به في حياتنا العامة من تزمت.
وأخيراً يلاحظ أن المؤلفات التراثية في موضوع الحب تكاد تردد القصص والأخبار والأشعار والنوادر والأقوال، هي بذاتها، وأحيانا بلفظها تقريبا - ترحل من كتاب إلى كتاب، وكأنها قافلة مستمرة تشق طريقها عبر الزمان، وليس عبر المكان. وهذه الملاحظة تنبه إليها بعض المستشرقين أيضا، وقد ساقها في صورة مأخذ على العقل العربي، أو الجمود، أو الترديد وعدم القدرة على تجاوز القديم!!
إن هذا ليس صحيحا على إطلاقه، فإذا كانت الملاحظة صحيحة فإن تفسيرها قاصر وكأنه يتعمد تحريفها ليتوافق مع الادعاءات الغربية المأثورة عن الشرق (العربي خاصة) كما يريدونه وليس كما هو في الواقع، فقد رأينا كيف تعددت الرؤى، ما بين مادية، وروحية، وصوفية، وكونية، وكيف ربط الفكر العربي بين الحب والمعرفة، وبين الإنسان وخالقه، وكيف انتهى إلى قوانين تبدأ من البشر وتهيمن على حركة الكواكب أو تفسرها، وكأن الكوكب الدائر في محوره الكوني عاشق لا يملك إلاّ أن يدور – دون توقف – حول بيت محبوبته.
على أننا يمكن (بل لعله يجب) أن ننظر إلى ارتحال هذه الأخبار التراثية والقصص والنوادر والأشعار، عبر رحلتها الزمانية على أنها نوع من الحفاظ على الجذور، ورعاية الأصول، ونوع من حماية الشخصية الثقافية وأعرافها السلوكية وآدابها، ولعلنا لو تساهلنا فى الحفاظ عليها لم نكن لنجد في أيدينا شيئا منها اليوم، ونحن أحوج ما نكون إليها فى عصر تتهم فيه القيم العربية والمبادئ الإسلامية ويفسر فيه التاريخ العربي تفسيرا تعسفيا ليجعل من ماضينا زمنا دمويا قاسيا فظا، وكأنه لم يكن حارسا ومبدعا لأرقى ما تسعى إليه الإنسانية من السلام وإيمان وجمال. على أن هذا التراث المتسع المتنوع الذي يوفر الغذاء الشهي المعرفي لكل من يسعى إليه ويجتهد فى تحصيله يستطيع أن يلهم مبدعينا اليوم وغدا وإلى ما شاء الله الأساليب الرفيعة، والصور الجمالية الراقية، فضلا عن درجات من المشاعر وألوان من السلوكيات، وقوالب وحبكات ما أحوجنا إلى استعادتها، ودمجها في حياتنا العصرية، لينهض الحاضر والمستقبل على أسس متينة واعية وأصيلة.


هامش :
هذا البحث من أمتع ما قدم في جلسات المؤتمرـ مؤتمر إقليم شرق الدلتا الثقافي ـ حيث استطاع أستاذنا الدكتور محمد حسن عبد الله أن يلتقط لحظات مدهشة من تراثنا العربي ، مسلطا الضوء على زوايا جديدة فيها ، ليعيد اكتشاف مناطق رهيفة من هذا التراث البديع فكأننا نعيش لحظات رائعة استحضرها الباحث المعلم من زمن مضى .
والدكتور محمد حسن عبد الله أستاذ جامعي له تلاميذ كثر على امتداد الوطن العربي ، ويشرف على عشرات الرسائل الجامعية في مصر والكويت وكل أنحاء وطننا العربي .
فسيفساء
الدكتور حسن طلب



يا مرسلة غزلانك فى قمحي
فى كرمي .. تاركة خيلك
ما كان أضلّ خروجك لى
تحت الدوح .. و كان أضلك
كنت مصوبة نبلك
لكأنك كنت حسامآ
و العشق استلك
بل لكأنك انت المنذورة لى منذ زمانين
فأى دليل دلك؟
هل شجر الليلك؟
مهلك
عن عنبي ردي خيلك
انى سوف بأكثرك ارد اقلّك
و بهتّانك .. منهلّك
ويلي منك
و منى ويلك
احببتك حباً: لو قد تحتك كان أقلّك
او لو فوقك كان أظلّك
او لو قد حولك
من لي بك .. بي من لك ؟
حرمّك القمح علىّ
و لكن الدوح احلّك
و يلي او ويلك
أية آلهة وصلت بنهاري ليلك؟
لي ما تركت الا جسداً
لو قلّ الوصل اعتلّ
فعودي معتلّك
هذي ساعة ما ان ظلّ
إلا ظّلك
رحمتك..و عدلك
ماأن بعدك طيف حبيبة استهديت
و ما أن قبلك
فلتدعي غزلاني تغزو حقلك
سوف بحقلي أفعل فعلك
بل سوف اغنيك
و أغويك
لعلّ فؤادك .. أو ..فلعلّك
ويلك
لي قلب .. لو أن الحلم محلّ
كان أحلّك
هل لك ؟
أو لو كان حبيب دون حبيب ملّ حبيبآ
ما ملّك
و بلّك يرجو .. لا طلّك
ويلك
سوف أسوس بوعري ..سهلك
قولي لي قولك
منذ زمانين
و ميلي ميلك
سوف بشملي .. ألُمُّ شملك
ويلك
ما كان أجلّ خروجك لي
تحت الدوح
و كان أجلّك
ويلي ..ويلك
فيزياء اللذّة
رسول عدنان



شفتاك اللتان لهما
قابلية الموز على الذوبان في فمي
قابلية الثلج على الأنزلاق بين أسناني
ينزلقان من لساني
حين تأخذني اللّذة الى مديات المتعة
يزوغان كالزئبق من فمي
فتعيدهما خيوط الأنصهار الكامل
الى فمي
يتطافر الشبق من مسامات جلدك
تغلين كفوهة بركان
بحمم من لذّات أزكى
تقفين على شفا الأنهيار- - بين شفاهي
زاكية نفسك الأ من الشهوة
التي تطلي جسدك بالجبروت الأنثويّ
أزرع مسامات جسدك بالشبق
ليورق كمأ" من لذّة
ألوكه - - أتمتع فيه - -
كما يتمتع الأثل بالماء
تنفرطين - - كعقد من الخرز السومريّ
في متحف اللوفر
فيعيدك البهاء - - كقائد ظافر
أيّ قيمر هذا الذي يسيح على جسدك
يمضغه لساني كالكرز الناضج
****
بين جسدك و الكرز حيرة الثقلين
بينهما الضباب كلّه و الوهم كلّه
بينهما الأبجورة التي تمنعني من ألتهامك
رويدا" - - رويدا" كالفجر المنسلّ
من ليل متهور - -
تحاولين تدارك المتعة بالألتفاف على المنطق
ناسية أنّ صمغ اللّذة يلصقك بي
كحبل السّرة
"جسد رشيق"
زهرة زيراوي

نظر إليها وابتسم، رأى جسدها الممتد كالشمع قبالته، كل هذه الطراوة يمتلكها الآن. مر شهر لم يحظ فيه بامرأة، أية امرأة . كلما حاول أن يقوم بعمله يغريه نهدها المطل من فتحة "الروب دي شامبر"، فيغرق في النهر الممتد ما بين النهدين، وينسى عمله للحظات. عندما كان يمرر كفه على الفاكهة الممنوحة له هذا الصباح، كان شارع عبد المومن الذي يفصل كزابلانكا الجديدة إلى نصفين، غربي وشرقي، يكتظ بالسائرين إلى الإدارات العمومية والشركات. ابتسم كمعتوه وهو يحدق في الجسد الرشيق الذي يفسد عليه ضجيج الشارع الآتي إليه، الاختلاء به كليا هذا الصباح. ضغط بأصابعه على ما تحت السرة، انتفضت عروق يده اليسرى، وهي تأخذ شكل محارة بحرية على عانتها
رجل اختزل نفسه في عضوه!


وجيهــة الحــويدر


لا... لست انا..لماذا قبلت بها وبكل ما تحلم به معي؟؟ كيف اتدارك هذه المصيبة قبل أن تتفاقم وتلوك سنوات عمري المتبقية؟؟ انا لم أُخلق لكي اقضي حياتي كلها مع امرأة واحدة.. انا اؤمن بالتعددية.. وحرية الجسد.. مثل "ميلان كونديرا" ذلك الرجل الذي لم يحتمل احد ظله.. كان يعرف ان النساء في الفراش لسن سواسية..
تلك المرأة التي تلف شباكها حولي تدرك ذلك جيدا اني لست لها وحدها.. لذلك زواجاتي السابقة لم تستمر.. انا لست من هؤلاء الرجال الذين يخادعون انفسهم ويصرّون على كبح مشاعرهم، واحيانا خنقها كي ترضى عنهم زوجاتهم والآخرون..
كيف اشرح لها ذلك؟؟ كيف اخبرها بأني ما زلت اضاجع النساء اللاتي يعرضن انفسهن علي بدون تردد وبدون ذرة خجل أو حياء..؟؟ كيف اقول لها اني حاليا اهوى امرأة اخرى..؟؟ وأني اضاجعها كلما سنحت لي الفرصة.. انا اعرف نفسي جيدا.. انا رغبتي في النساء قصيرة الأمد، وكثير ممن عبرن بدربي لم تتعدَ صلتي بهن حدود الجسد... وبعدها لا اذكر حتى اسمائهن.. انا أنتهي لو واصلت مع زوجتي هذا النمط من الحياة.. آآآآآه.. الزوج المخلص الملتزم لأمرأته!!! لا..لا.. لن استمر.. كانت امرأة مثيرة ومحيرة حين عرفتها في البدء.. لكن بعد أن تطورت علاقتي بها اصبحت مثل سائر النساء.. بهت كل شيء بيننا.. اقحمتني في دوامة الروتين وفي عش وعصافير وفراش دائم بيننا.. هذا ليس انا.. هذا ليس أنا..

فجأة سَمِعَ صوت المفتاح وهو يتحرك في مكانه الذي اعتاده... توقفت هواجسه فنهض من مقعده بروية وكأنه ينتظر قدر وخيم التداعيات، واذا بالباب ينفتح وتدخل المرأة التي سرقت منه حرياته وصفاء ذهنه وعربدته التي يتلذذ بها.. ولجت غرفة الجلوس وهي ممسكة بيد طفلتها التي لم تبلغ التاسعة بعد، وفي اليد الأخرى كانت تحمل كيسا فيه بعض الاغراض التي تبضعتها من البقالة..

ركضت الطفلة مسرعة الى والدها فجلس على ركبتيه ليحملها وينهض بها معه، ويلف بها في فضاء الغرفة، وكأنه لم يرها منذ سنوات طويلة.. طفلته هي السبب لمواصلة كل شيء يقوم به.. ملهمته في ابداعاته الشعرية والنثرية.. معظم نجاحاته كانت بإيحاء من حبه المندلق لأبنته.. زوجته كانت تدعمه دائما وتسانده في كل ما يقوم به.. لكنه يظل ينظر اليها كقيد يحجبه عن عالم النساء المتأجج، ويمنعه عن الخوض في اسراره المثيرة.. ذاك العالم الذي يجد نفسه فيه.. فهو لا يحس ولا تتحرك قرحيته الابداعية سوى حين يكون بين احضان انثى .. فكل انثى بالنسبة له "مصباح الكون" ولا بد أن يستدل على نورها، ويفترش فخذيها، ويحتسي رحيقها، ويرتشف حلمتيها، ويتدغدغ بتحسسها حتى الثمالة...

انزلَ ابنته على الارض وهي فرحة بتلك اللفة الجميلة والتي تنتظرها منه كل يوم حين تعود مع والدتها من المدرسة. قبـّلته ابنته في الخد بطرواة ناعمة واتجهت الى غرفتها لتقوم بشؤونها اليومية الصغيرة..

اتت زوجته اليه وألقت عليه بنظرات لم يعرفها قط.. شعر بقشعريرة في جلده المزدحم بالشعر المجعد الداكن.. اراد ان يهرب بنفسه عن اجواء المكان لكنه لم يستطع ان يحرك ساكنا.. ظلت زوجته تحدّق فيه للحظات. كانت نظراتها كالسياط الملتهبة من شدة حدتها.. حينها ادرك ان ايامه معها قد شارفت على الإنتهاء.. لكن وجد انه لا بد ان يثقب جدار الصمت .. ويسأل ببلادة
- ما بك؟؟
اجابت ببرود قاتل
- الآن تيقنت..
من نبرة صوتها عرف ان هذه هي اللحظة التي عبرت به لمئات المرات كلما ادركت امرأة انها ليست الوحيدة في حياته.. يعرف كل التقاسيم .. ويفهم كل تفاصيلها التراجيدية.. لكنه لا يحس ابدا بمرارة الألم الذي يسقيه لنسائه مهما اظهر تعاطفه معهن..

واصلت كلامها بسكينة وثبات بعد ان تنفست الصعداء وقالت:
-الآن تيقنت انك رجل لا يرى من المرأة سوى جسدها.. لن تجد سوى ما اردت ان تراه لنفسك.. افخاذا... ونهودا.. وفروجا ملتفة بشعر مبعثر بفوضوية على العانة.. هذا كل ما هنالك لك من النساء.. فطوبى لك يا من اختزلت نفسك في عضوك الهائم بلا بوصلة.. طوبى لك وللفروج التي تلعقها..


* كاتبة سعودية
حنين الغرباء
د. أسرار الجراح


ظل"جميل" يراقب شرفة "أماني"، صوّب عينيه تجاهها حتى تسمرتا ، لم يخفضهما إلا عندما شاهد الإضاءة الكهربائية تنطفيء، وبحركة بهلوانية نط على مرتفع السور حتى اعتلاه، وهبط تدريجيا وعدا بخفة لتسلق عمود حجري ضخم يحمل فوقه مصطبة مؤدية لشرفة أماني تسلقها بدربة المحترفين، حتى استطاع أن يضع أطراف أصابعه على حواف الشرفة، فمد يده ممسكا بمقبض معدني صلب لسور الشرفة، وخلال ثوان كان بداخلها، طرق على الزجاج طرقات خفيفة فزعت لها " أماني" فأضاءت المصباح الخفيف بجوار السرير وأطرافها ترتعد هلعا وخوفا، فقد ظنت أن هذا الطارق هو عمها المزعوم " أمير" أتى ليقتلها، هرعت باتجاه الباب عازمة على إطلاق صرخة مدوية تهز أركان الفيلا الغارقة في الصمت والظلام، لكنها تبينت ملامح رجل لصيق من قلبها، رجل خطف روحها ذات صباح، وتركها تتخبط بين جنبات الحوائط بلا روح، فغرت فاهها في حال ما بين الفرحة والاندهاش، فاندفعت إليه مرتجفة الأوصال ملقية بجسدها بين يديه، ضمها كما يليق بفارس أتى من آخر الدنيا لينقذ حبيبته الأسيرة، لفحتها أنفاسه الحارة، ودوختها نبضات قلبه الطواف حول مسامها ليرشها برشيش عطره الذي تعشقه، ارتاحت قليلا وهدأ روعها، حتى انتبهت لقبلاته الحارة على وجهها وأنفها وعينيها وشفتيها وجيدها وكتفيها وهبط قليلا مبللا صفحة نهديها الورديين بشفتين ظامئتين، عندئذ انتبهت إلى أنها بملابس النوم الخفيفة، ولا إراديا ضمت يديها على نهديها الذين فرا من مكانهما حتى استويا كرمانتين صغيرتين صلبتين خارج المجال المحدد لإقامتهما الدائمة، أدخلتهما وضمت ثوبها الشفيف عليهما، ذلك الثوب الذي يشف أكثر مما يخفي ويفضح أكثر مما يستر، تراجعت في ذهول صارخة بهمس:
- ما الذي أتى بك إلى مخدعي يا " جميل" في هذه الساعة، وما الذي تريده مني بالضبط, وما العمل لو رأتك " هناء"؟
كانت تواصل تراجعها إلى الخلف، مبتعدة عنه، تتعثر في الأشياء أحيانا، وتتسند على كل ما تصطدم به من أركان أحيانا أخرى، وبين هذا وذاك كان جسمها الناضج البض يهتز ويرتج ويربو مطيرا بتعرقها، وكأنه يتراقص بين أمواج اللذة المرتقبة، وكان الثوب الزهري الشفيف يظهر ما تحته كأبهى ما يكون الجسد الأنثوى الفاتن، وكانت كلما تراجعت خطوة، كان " جميل" يتقدم إليها خطوة معثرا قدميها بأقدامه، حتى التصقت بالحائط ، فالتصق بها وهو لا يكف عن عضعضتها بقبلاته وبين القبلة والقبلة كان يقول :
- اعذريني يا منية القلب، لم أعد أستطيع الاحتمال أكثر، فأنت لا تدركين حجم احتراقي, أنا أحبك يا حبيبتي، أحب تفاصيل جسمك كله ومسامك وهواءك بكل زفراته، اسمعي صراخ النبضات في قلبي؟ شمي ألا تستنشقين دخان حريقي، انظري ألا ترين جفاف شفتيّ .
كان قد أحكم يديه حولها تماما، وهي كانت تتراخي وتشهق وتختنق، كل ما استطاع أن يخرج من جوفها كلمة واحدة، خرجت مشروخة تائهة خفيفة تكاد لا تخرجها ويكاد لا يسمعها:
- اخرج .
- لا، لن أخرج
قالها هامسة رقيقة وأردف:
- أنا أعرف أنك تريدينني كما أريدك، وتحبينني كما أحبك، وقلبك يحترق كما حرقت قلبي يا حبيبة قلبي.
وأطبق بشفتيه على شفتيها يعتصرهما ويرتشف معصورهما
كانت يداها قد كفتا تماما عن المقاومة وبدأت تضم بهما عنقه، غير أن الكلمة مازالت عالقة على شفاهها تكررها آليا اخرج، اخرج، اخرج، وفي كل مرة تقولها كانت تطبق عليه بيديها وقلبها وروحها المخطوفة، وكان هو يردد لن أخرج، لن أخرج، لن أخرج، وكانت يداه تعرفان طريقهما جيدا حتى صمت الاثنان تماما عن ترديد الكلام واستسلما نهائيا لوهج الحريق ودخانه، تسللت أصابع يده اليمنى في ظهرها من أعلى الكتفين حتى نهاية سلسلة الظهر، وبدأت تجوس في المنحنى السماوي الآبق لردفين لم يلمسهما إنسي من قبل، كانت قد غابت تماما عن الوعي، وكأنه سحب روحها لميتة، فرفعها بيديه الاثنتين، ومددها ذائبة إلا من الفرحة، وغائبة إلا من الرعشة، وخائبة إلا من جوع لحنين، بالكاد فتحت عينيها ورأت نفسها في آخر دهليزها الضيق المهجور قابعة بين أخوتها الصغار، وكان أبوها قد عاد لتوه ثملا كعادته فأزاح عن أمها الملاءة، وأطفأ المصباح، بينما " جميل " يلتقم حلمتي نهديها، ويمصهما في تلذذ يرتعش لها بدنها كله، و كانت تنتظر اهتزازات كما للسرير الخشبي المتهالك بأمها وأبيها الذي كان لاهتزازه صرير اعتادت سماعه في الثلث الأخير من الليل عندما يعود أبوها ثملا ليلة الجمعة، وترقبت اهتزاز السرير تحتها هي و" جميل " لكن سريرها ليس له ذاك الصرير، وكأنها تعيش تأوهات أمها الخافتة وغنجها وشهيق أبيها وزفيره، ليعلو صوت أمها وهي تتأوه من اللذة حين كانت هي تتصنع النوم لتراقب هذه الحالة كل أسبوع حتى يخفت صوت أمها تدريجيا، عندئذ كانت يدها تمتد بين فخذيها وتتسلل أصابعها بين شعيراتها النابتة ، لتقلد تأوهات أمها ولكن بلا صوت، حتى يبتل ما بين فخذيها فتهدأ أنفاسها بعد جهد اللذة وتخلد لنوم ناعم الانتشاء، عادت لواقعها لتجد " جميل " لا يدع لأصابعها فرصة للتسلل بين فخذيها، كان قد اعتلى فخذيها وسد كل المنافذ إليهما، وحاولت تريد لأصابعها أن تصل إلى سكناها فلم تفلح ولم يفلح "جميل" بدوره أن يمنع تأوهاتها المجروحة الخافتة إلا بقدر ما يضع شفتيه على شفتيها ليطبق على لسانها التائه بين شفتيه، وما أن يرفعهما حتى تطلق آهة خافتة تئن بين النشوة والألم إلى أن فقدت القدرة تماما على الكلام فسكتت، كان " جميل " قد هدأ وبدأ يلملم شعرها ويقبله ويشمه ويمسح بخصلاته وجهه المتعرق، وقبل أن يقوم من فوقها همس في أذنها:
- غدا ستقتلين "هناء"
أجابته بانقياد تام:
- غدا سأقتلها.
لملم ملابسه، وخرج كما أتى، وهي بالكاد وضعت يديها بين فخذيها لتتفقد مياهها، لكنها أحست هذه المرة بإحساس آخر غير ليونة البلل الذي كانت تحسه في بيت أبويها الفقير، كان إحساسا آخر له مذاق العذاب الممتع، والمتعة المعذبة، غير أن يديها كانتا هذه المرة يلفهما دم لم تألفه من قبل، لكنها تعرف ماهيته على وجه اليقين .
همست لنفسها:
- هل هذا هو الحب، أهكذا يكون، ما أجمله وما أبهاه وما أروع الوقوع بخطيئته .
وراحت تردد بينها وبين نفسها، أغنية ترددها دائما، " أهكذا الحب؟ " وهي تراقب بقايا ظلال " جميل " وهو يمضي ويتركها وحدها:
أهكذا الحب
تتركني
وحيدة؟



* شاعرة وروائية وفنانة تشكيلية، من الكويت - تكتب باللغتين العربية والإنجليزية
فصل من رواية
موسم الهجرة إلى الشمال
الطيب صالح



وقفت عند باب دار جدي في الصباح - باب ضخم عتيق من خشب الحراز، لا شك أنه استوعب شجرة كاملة، صنعه ود البصير، مهندس القرية الذي لم يتعلم النجـارة في مدرسة، كما كان يصنع عجلات السواقي وحلقاتها، وأيضاً يجبر العظام، ويكوي ويحجم ، ويتخصص كذلك في نقد الحمير، قل أن يشتري أحد من أهل البلد حمارة دون مشورته. ود البصير لا يزال حياً إلى يومنا هذا، ولكنه لم يعد يصنع مثل باب بيت جدي، بعد أن اكتشفت الأجيال اللاحقة من أهل البلد أبواب خشب الزان وأبواب الحديد، يجلبونها من أم درمان. والسواقي أيضاً. بار سوقها حين جاءت مكنات الماء. وسمعتهم يقهقهون، فميزت ضحكة جدي النحيلة الخبيثة المنطلقة حين يكون على سجيته، وضحكة ود الريس التي تخرج من كرش مملوء بالطعام دائماً، وضحكة بكري التي تأخذ لونها وطعمها من المجلس الذي يكون موجوداً فيه، وضحكت بنت مجذوب القوية المسترجلة. تخيلت جدي جالساً على فروة صلاته وفي يده مسبحته من خشب الصندل، تدور في حركة دائبة كقواريس الساقية. وبنت مجذوب وود الريس وبكري، أصدقاؤه القدامى، يجلسون على تلك الأسرِّة الوطيئة، التي لا تعلو أرجلها عن الأرض أكثر من شبرين. ارتفاع السرير عن الأرض، في زعم جدي، من الغرور، وقصره من التواضع.. بنت مجذوب متكئة على كوعها ، وفي اليد الأخرى سيجارة. ود الريس كأنه يخرج الحكايات الخبيثة من أطراف شاربيه. وبكري يجلس وحسب. هذه الدار الكبيرة ليست من الحجر ولا الطوب الأحمر، ولكنها من الطين نفسه الذي يزرع فيه القمح، قائمة على أطراف الحقل تماماً ، تكون امتداداً له. وهذا واضح من شجيرات الطلح والسنط النامية في فناء الدار والنباتات التي نمت في الحيطان نفسها حيث تسرب إليها المـاء من الأرض المزروعة. وهي دار فوضى قائمة دون نظام، اكتسبت هيئتها هذه على مدى أعوام طويلة: غرف كثيرة مختلفة الأحجام، بنيت بعضها لصق بعض في أوقات مختلفة، أما حسب الحاجة إليها أو لأن جدي توفر له شيء من المال لم يجد وسيلة أخرى ينفقه فيها. غرف يؤدي بعضها إلى بعض، بعضها لها أبواب وطيئة لابد أن تنحني كي تدخلها وبعضها ليس لها أبواب إطلاقاً، بعضها لها نوافذ كثيرة، وبعضها ليست لها نوافذ. حيطانها ملساء مطلية بمادة هي خليط من الرمـل الخشن والطين الأسود وزبالة البهائم، وكذلك السطوح، والأسقف من جذع النخيل وخشب السنط وجريد النخيل. دار متاهة، باردة في الصيف، دافئة في الشتاء. إذا نظرت إليها من الخارج، دون عطف، أحسست بها كياناً هشاً لن يقوى على البقاء، ولكنها تغالب الزمن بشيء كالمعجرة .
دخلت من باب الحوش، ونظرت إلى اليسار واليمين في الفناء الواسع. هنالك تمر نشر على بروش ليجف. وهنالك بصل وشطة. وهنالك أكياس قمح وفول وبعضها خيطت أفواهه وبعضها مفتوح. وفي ركن عنز تأكل شعيراً وترضع مولوداً. هذه الدار مصيرها مرتبط بمصير الحقل، إذا اخضر الحقل اخضرت، وحين يجتاح القحط الحقول يجتاحها هي أيضاً. وأشم تلك الرائحة التي يمتاز بها بيت جدي، خليط من روائح متناثرة، ورائحة البصل والشطة والتمر والقمح والفول واللوبية والحلبة، أضف إليها رائحة البخـور الذي يعبق دائمـاً في مجمر الفخار الكبير. رائحة تذكرني بتقشف جدي في العيش، وترفه في لوازم صلاته. الفروة التي يصلي عليها، وحين يشتد البرد يستعملها غطاء، عبارة عن جلود ثلاثة نمور مخيطة في جلد واسع. وإبريق الصلاة من النحاس عليه تصاوير ونقوش، وله طشت من نحاس أيضاً. وهو يفتخر خاصة بمسبحته لأنها من خشب الصندل، يداعب حباتها، ويمسح بها وجهه ويستنشق رائحتها. وكان إذا غضب من أحد أحفاده، ضربه بها على رأسه، يقول إن ذلك يطرد الشيطان. وهذه الأشياء جميعاً، مثل غرف داره، والنخل في حقله، لها تاريخ قصه على جدي مراراً وتكراراً، في كل مرة يحذف شيئاً ويضيف شيئاً.
وتمهلت عند باب الغرفة وأنا أستمريء، ذلك الإحساس العذب الذي يسبق لحظة لقائي مع جدي كلما عدت من السفر. إحساس صاف بالعجب من أن ذلك الكيان العتيق ما يزال موجوداً أصلاً على ظاهر الأرض. وحين أعانقه أستنشق رائحته الفريدة التي هي خليط من رائحة الضريح الكبير في المقبرة، ورائحة الطفل الرضيع . وذلك الصوت النحيل المطمئن، يقوم جسراً بيني وبين الساعة القلقة التي لم تتشكل بعد، الساعات التي استوعبت أحداثها ومضت، وأصبحت لبنات في صرح له مدلولات وأبعاد نحن بمقاييس العالم الصناعية الأوربي، فلاحون فقراء ، ولكنني حين أعانق جدي أحس الغنى، كأنني نغمة من دقات قلب الكون نفسه. أنه ليس شجرة سنديان شامخة وارفة الفروع في أرض منت عليها الطبيعة بالماء والخضب ـ ولكنه كشجيرات السيال في صحاري السودان، سميكة اللحي حادة الأشواك، تقهر الموت لأنها لا تسرف في الحياة. وهذا وجه العجب. أنه عاش أصلاً - رغم الطاعون والمجاعات والحروب وفساد الحكام. وها هو ذا الآن يقترب من عامة المائة، أسنانه جميعاً في فمه، عيناه صغيرتان باهتتان تحسب أنهما لا يريان ولكنه ينظر بهما في حلكة الليل، جسمه الضئيل منكمش على ذاته، عظام وعروق وجلد وعضلات، وليست فيه قطعة واحدة من الشحم، يقفز فوق الحمار نشيطاً، ويمشي في غبش الفجر من بيته إلى الجامع .
مسح جدي بطرف ثوبه الدمع الذي سال على وجهه من شدة الضحك، وبعد أن أمهلوني ريثما أستقر في مجلسي معهم، قال جدي: " والله حكايتك حكاية يا ود الريس ". وكان هذا إيذاناً لود الريس بأن يستمر في القصة التي قطعها دخولي عليهم. " وبعد، يا حاج أحمد، أركبت البنت أمامي على الحمار وهي تفلفص وتتلوى وبالقوة جردتها من جميع ثيابها حتى أصبحت عارية كما ولدتها أمها، كانت فرخة عديلة من جواري بحري بلغت توها - النهد يا حاج أحمد كأنه طبنجة والكفل إذا طوقته بذراعيك لا تصل حده. وكانت مدهنة ومدلكة جلدها يلمع في ضوء القمر وعطرها يدوخ العقل. ونزلت بها إلى منطقة رملية وسط الذرة ولما قمت عليها سمعت حركة في الذرة وصوتاً يقول: من هناك؟ يا حاج أحمد، جنون الشباب ليس مثله جنون. فكرت بسرعة. وعملت أنني عفريت. وأخذت أصرخ بأصوات شيطانية وأنثر الرمل وابرطع، فذعر الرجل وهرب. إنما النكتة أن عمي عيسى كان قد تقفى أثري منذ خطفت الجارية من بيت العرس حتى وصلنا إلى بقعة الرمل. ولما رأي أنني عملت عفريت وقف يتفرج. وثاني يوم في الصباح الباكر ذهب إلى والدي رحمة الله عليه وقص عليه القصة كلها، وقال له: ابنك هذا شيطان رجيم، إذا لم نجد له زوجة في هذا النهار أفسد البلد وسبب لنا الفضائح لا أول لها ولا آخر . وفعلاً عقدوا لي في نفس اليوم على بنت عمي رجب. الله يرحمها ، ماتت في أول ولادة ". وقالت له بنت مجذوب وهي تضحك بصوتها الرجالي المبحوح من كثرة التدخين: " ومن يومها وأنت تركب وتنزل كأنك فحل الحمير " .
فقال لها ود الريس: " هل أحد يعرف حـلاوة هذا الشيء أكثر منك يا بنت مجذوب؟ انك دفنت ثمانية أزواج، والآن وأنت عجوز كركبة لو وجدته لما قلت لا ". وقال جدي: " سمعنا أن غنج بنت مجذوب شيء لا يتصوره العقل " .
وأشعلت بنت مجذوب سيجارة وقالت: عليّ الطلاق يا حاج أحمد، كنت حين يرقد زوجي بين فخذي أصرخ صراخاً تجفل منه البهائم المربوطة في مراحها في الساقية ". وكان بكري قبل ذلك يضحك ولا يقول شيئاً، فقال: " حديثنا يا بنت مجذوب. أي أزواجك كان أحسن؟ " فقالت بنت مجذوب على الفور: " ود البشير " فقال بكري: " ود البشير الكحيان التعبان؟ كانت العنز تأكل عشاءه " .
ونفضت بنت مجذوب رماد السيجارة على الأرض بحركة مسرحية بأصابعها وقالت: " علي الطلاق، كان عنده شيء مثل الوتد حين يدخله في أحشائي لا أجد أرضاً تسعني. كان يرفع رجلي بعد صلاة العشاء، وأظل مشبوحة حتى يؤذن آذان الصبح. وكان حين تأتيه الحالة يشخر كالثور حين يذبح وكان دائماً حين يقوم من فوقي يقول: هالله هالله يا بنت مجذوب ". فقال لها جدي: " لا عجب انك قتلته في عز الشباب ". فضحكت بنت مجذوب وقالت: " قتله أجله. هذا الشيء لا يقتل أحداً " .
كانت بنت مجذوب امرأة طويلة لونها فاحم مثل القطيفة السوداء، ما يزال فيها إلى الآن وهي تقارب السبعين بقايا جمال. وقد كانت مشهورة في البلد، بتسابق الرجال والنساء على السواء لسماع حديثها لما فيه من جرأة وعدم تحرج. وكانت تدخن السجاير وتشرب الخمر وتحلف بالطـلاق كأنها رجـل. ويقال أن أمها كانت ابنة أحد سلاطين دارفور. وقد تزوجت عدداً من خيرة رجال البلد، ماتوا كلهم عنها وتركوا لها ثروة ليست قليلة. وقد انجبت ولداً واحداً وعدداً لا يحصى من البنات أشتهرن بجمالهن وعدم تحرجهن في الحديث، مثل أمهن. ويروى أن إحدى بنات بنت مجذوب تزوجت رجلاً لم تكن أمها راضية عنه. وحملها وسافر بها. ولما عاد بعد نحو من عام أراد أن يقيم وليمة يدعو إليها أقارب زوجته. فقالت له الزوجة: " أن أمي لا تتحرج في كلامها ومن الخير أن ندعوها وحدها ". وفعلاً ذبحوا وأولموا لها. وبعد أن طعمت وشربت قالت لابنتها وزوجها يسمع: " يا آمنة. هذا الرجل لم يقصر في حقك. فمسكنك حسن وملبسك حسن، وقد ملأ يديك ورقبتك ذهباً. ولكن لا يبدو على وجهه أنه يقدر على إشباعك في الفراش. فإذا أردت الشبع الصحيح فأنا أعرف لك زوجاً إذا جاءك لا يتركك حتى تزهق روحك " ولما سمع الزوج هذا الكلام غضب غضباً شديداً وطبق زوجته ثلاثاً في الحين .
وقالت بنت مجذوب لود الريس: " ما بالك، لك عامان وأنت مكتف بزوجة واحدة؟ هل ضعفت همتك؟ " .
وتبادل ود الريس وجدي نظرات لم أفهمها إلا فيما بعد، وقال: " الوجه وجه شيخ والقلب قلب شاب. هل تعرفين أرملة أو شيباً تصلح لي؟ " .
وقال بكري: " النصيحة لله يا ود الريس. أنت لم تعد رجل زواج. انك الآن شيخ في السبعين وأحفادك صار لهم أولاد. ألا تستحي، لك كل سنة عرس؟ الآن يلزمك الوقار والاستعداد لملاقاة الله سبحانه وتعالى " .

ضحكت بنت مجذوب وضحك جدي لهذا القول، وقال ود الريس في غضب مصطنع: " ماذا يفهمك أنت في هذه الأمور؟ أنت وحاج أحمد كل واحد منكم اكتفى بامرأة واحدة ولما ماتتا وتركنا كما لم تجدوا الجرأة على الزواج. حاج أحمد هذا طول اليوم في صلاة وتسبيح كأن الجنة خلقت له وحده. وأنت يا بكر مشغول في جمع المال إلى أن يريحك منه الموت. الله سبحانه حلل الزواج وحلل الطلاق وقال ما معناه خذوهن بإحسان أو فارقوهن بإحسان.
وقال في كتابه العزيز: النسوان والبنون زينة الحياة الدنيا ". وقلت لود الريس أن القرآن لم يقل " النسوان والبنون " ولكنه قال " المال والبنون ". فقال: " مهما يكن، لا توجد لذة أعظم من لذة النكاح " .
وملس ود الريس شاربيه المقوسين بعناية إلى أعلى، طرفاهما كحد الإبرة، ثم أخذ يمسح بيده اليسرى لحيته الغزيرة البيضاء التي تلبس وجهه من الصدغ إلى الصدغ، ويتنافر لونها الأبيض الناصع من سمرة وجهه كلون الجلد المدبوغ، كأن اللحية شيء صناعي ألصق بالوجه. ويختلط بياض اللحية دون مشقة ببياض العمة الكبيرة، مقيماً إطاراً صارخاً يبرز أهم معالم الوجه: العينين الجميلتين الذكيتين، والأنف المرهف الوسيم. وود الريس يستعمل الكحل متذرعاً بأن الكحل سنة، لكنني أظن أنه يفعل ذلك زهواً. كان في مجموعه وجهاً جميلاً، خاصة إذا قارنته بوجه جدي الذي ليس فيه شيء يميزه، ووجه بكري وهو كالبطيخة المكرمشة. وواضح أن ود الريس يدرك ذلك، وقد سمعت أنه كان في شبابه آية في الحسن، وأن قلوب الفتيات كانت تخفق بحبه قبلي وبحري ، أعلى النهر وأسفله. كان كثير الزواج والطلاق لا يعنيه في المرأة أنها إمرأة، يأخذهن حيثما اتفق، ويجيب إذا سئل: " الفحل غير عواف ". وأذكر من زوجاته دنقلاوية من الخندق، وهندوية من الغضارف، وأثيوبية وجدها تخدم ولده الأكبر في الخرطوم، وأمرأة من نيجيريا عاد بها في حجته الرابعة. ولما سئل كيف تزوجها قال أنه اجتمع بها وبزوجها في السفينة بين بورسودان وجدة وتصادق معها. ولكن الرجل توفى في مكة يوم الوقوف على عرفات. وقال له وهو يحتضر: " أوصيك بزوجتي خيراً ". ولم يجد خيراً من زواجها. عاشت معه ثلاثة أعوام، وهو وقت طويل بحساب ود الريس. وكان فرحاً بها، وأعظم سروره أنها كانت عاقراً، وكان يحكي للناس خصائص أفعاله معها، ويقول: " من لم يتزوج فلاتية لم يعرف الزواج ". وأثناء حياته معها تزوج بامرأة من الكبابيش، عاد بها في زيارة له إلى حمرة الشيخ. لكن المرأتين لم يطيقا الحياة معاً، فطلق الفلاتية إرضاء للكباشية، ولكن الكباشية، بعد ذلك بقليل هجرته وهربت إلى أهلها في حمرة الشيخ .
وضربني ود الريس بكوعه في جنبي وقال: " قالوا نسوان النصارى شيء فوق التصور ". فقلت له: " لا أدري ". فقال: " أي كلام هذا؟ شاب مثلك في عز الشباب يعيش سبع سنين في بلاد الهنك والرنك وتقول لا أدري " .
سكت، فقال ود الريس: " قبيلتكم هذه لا خير فيها. أنتم رجال المرأة الواحدة - ليس فيكم غير عمك عبد الكريم ذلك هو الرجل " .
كنا بالفعل معروفين في البلد بأننا لا نطلق زوجاتنا ولا نتزوج عليهن، وكان أهل البلد يتندرون علينا يقولون أننا نخاف من زوجاتنا. إلا عمي عبد الكريم - كان مطلاقاً مزواجاً، وزانياً أيضاً.
وقالت بنت مجذوب: " حريم النصارى لا يعرفن لهذا الشيء كما تعرف له بنات البلد. نساء غلف، الحكاية عندهن كشرب الماء. بنت البلد تعمل الدلكة والدخان والريحة وتلبس الفركة القرمصيص. وحين ترقد على البرش الأحمر بعد صلاة العشاء وتفتح فخذيها، يشعر الرجل كأنه أبو زيد الهلالي. الرجل الما عنده همة يصبح له همة " .
وضحك جدي وضحك بكري وقال ود الريس: " دعك من بنات البلد يا بنت مجذوب. النسوان البرانيات، هؤلاء هن النساء ".
وقالت بنت مجذوب: " عقلك هو البراني ". وقال جدي: " ود الريس يحب النسوان الغير مطهرات " .
وقال ود الريس: " علي اليمين يا حاج أحمد، لو ذقت نساء الحبش والفلاتة كنت رميت مسبحتك. وتركت صلاتك ما بين افخاذهن كأنه الصحن المكفي، صاغ سليم، بكامل خيره وشره . عندنا هنا يقطعونه ويتركونه مثل الأرض الخلاء " .
وقال بكري: " الختانة من شروط الإسلام ". فقال ود الريس: " أي أسلام هذا؟ إسلامك أنت وإسلام حاج أحمد، لأنكم لا تعرفون الذي يصلحكم والذي يضركم. الفلاتة والمصريون وعرب الشام. أليسوا مسلمين مثلنا؟ لكنهم ناس يعرفون الأصول. يتركون نساءهم كما خلقهن الله. أما نحن فنجزهن كما تجز البهيمة ".
وضحك جدي حتى أسقط حبات من مسبحته مرة واحدة دون وعي، وقال: " المصريات، مثلك لا يقدر عليهن ". قال له ود الريس: " وما أدراك أنت بالمصريات؟ " فقال بكري بالنيابة عن جدي: " هل نسيت أن حاج أحمد سافر إلى مصر سنة ستة وأقام فيها تسعة أشهر ؟ " .
وقال جدي: " مشيت على قدمي، ليس معي غير المسبحة والإبريق " .
فقال ود الريس وماذا فعلت؟ عدت كما ذهبت بالمسبحة والإبريق.علي اليمين، لو كنت محلك لما عدت فارغ اليدين ".
فقال جدي: " أظنك كنت رجعت ومعك امرأة. هذا هو كل همك. أنا رجعت ومعي المال فأشتريت الأرض وعمرت الساقية وطهرت أولادي "
وقال ود الريس: " بالله يا حاج أحمد، هل ذقت الشيء المصري؟ " .
كانت حبات المسبحة طول الوقت تنفلت بين أصابع جدي طالعة نازلة كأنها دولاب الساقية. لكن الحركة توقفت فجأة ورفع وجهه إلى السقف وفتح فمه. لكن بكري كان أسبق منه فقال: " أنت يا ود الريس مجنون. رجل كبير لكن ما عندك فهم. النسوان نسوان في مصر أو السودان أو العراق أو واق، الواق. السوداء والبيضاء والحمراء كلهن سواسية " .
ولم يستطع ود الريس من شدة دهشته أن يقول شيئاً. ونظر إلى بنت مجذوب كأنه يستنجد بها. وقال جدي: " الحق لله أنني كدت أتزوج في مصر. المصريون ناس طيبون ويحفظون العشرة . والمرأة المصرية تعرف قيمة الرجل. تعرفت برجل تقي في بولاق كنا نلتقي دائماً في صلاة الفجر في مسجد أبو العلاء. دخلت بيته وتعرفت على أهله كان أبو بنات عنده ست بنات كل واحدة تقول للقمر قوم وأنا أقعد محلك. بعد مدة قال لي: يا سوداني أنت رجل متدين وتحفظ العشرة خليني أزوجك بنتاً من بناتي. الحق لله يا ود الريس نفسي مالت إلى البنت الكبيرة. لكن بعدها بقليل جاني تلغراف بوفاة المرحومة أمي فسافرت في الساعة والحين ". وقال بكري: " يا خسارة. الدنيا هكذا. تعطي الذي لا يريد أن يأخذ. على اليمين لو كنت في محلك كنت عملت عمايل. كنت تزوجت وقعدت هناك وذقت حلاوة الحياة مع بنات الريف .
ماذا أرجعك لهذا البلد الخلاء المقطوع ؟ " .
وقال بكري: " الغزال قالت بلدي شام " .
وكانت بنت مجذوب قد أوقدت سيجارة أخرى جذبت منها الدخان بسخاء وعكرت به سماء الغرفة، فقالت لود الريس: " أنت لم تعدم حلاوة الحياة حتى ولا تكبر مع أنك زدت على السبعين ".
فقال ود الريس: " على اليمين، سبعين سنة فقط لا تزيد يوماً واحداً. إنما أنت شرط أكبر من حاج أحمد " .
فقال له جدي: " خاف الله يا ود الريس. بنت مجذوب لم تكن ولدت حين تزوجت أنا. وهي أصغر منك بسنتين أو ثلاث ".
فقال ود الريس: " على أي حال، أنا في يومنا هذا أنشط واحد فيكم. وعلي اليمين، بين فخذي إمرأة أنا أنشط من حفيدك هذا ".
فقالت بنت مجذوب: " أنت في الكلام. ولابد أنك تجري وراء النساء لأن بضاعتك مثل عقله الأصبع " .
فقال ودر الريس: " لو كنت تزوجتيني يا بنت مجذوب لوجدت شيئاً مثل مدافع الانكليز ". فقالت بنت مجذوب: " المدافع سكتت وقت مات ود البشير. أنت ود الريس رجل مخرف، عقلك في رأس ذكرك، ورأس ذكرك صغير مثل عقلك " .
وأرتفع ضحكهم جميعاً، حتى بكري الذي كان من قبل يضحك بهـدوء. وتوقف جدي عن الطقطقة بمسبحته تماماً، وضحك ضحكته النحيلة الخبيثة المنطلقة. وضحكت بنت مجذوب بصوتها الرجالي المبحوح. وضحك ود الريس ضحكاً أقرب إلى الشخير منه إلى الضحك ومسحوا الدموع من أعينهم - وقال جدي: " أستغفر الله العظيم وأتوب إليه
وقالت بنت مجذوب: " أستغفر الله. اللهم أغفر لنا وأرزقنا حسن الختام " .
وقال بكري: " أستغفر الله، اللهم أغفر لنا وأرزقنا حسن الختام ".
وقال ود الريس: " أستغفر الله. أيام نقضيها على وجه الأرض وبعدها ربنا يفعل فينا ما يشاء. وهبت بنت مجذوب واقفة دافعة واحدة، كما يهب رجل في الثلاثين، وانتصبت بطولها، معتدلة القامة، لا انحناء في الظهر ولا تقوس في الكتفين. وقام بكري متحاملاً على نفسه وقام ود الريس يتكئ قليلا على عصاه. وقام جدي من على فروة الصلاة وجلس على سريره ذي الأرجل القصيرة، ونظرت إليهم، ثلاثة شيوخ وأمرأة شيخة، ضحكوا برهة على حافة القبر. وفي غد يرحلون. غداً يصير الحفيد أباً والأب جد ، وتستمر القافلة .
ثم خرجوا. وقال لي ود الريس وهو يذهب: " باكر يا أفندي تتغدى معنا " .
وتمدد جدي على سريره، ثم ضحك، وحده هذه المرة، كأنما يؤكد إحساسه بالعزلة، وبعد فترة قال: " هل تدري لماذا دعاك ود الريس للغداء؟ " فقلت له أننا أصدقاء وقد دعاني من قبل. فقال جدي: " أنه يريد منك خدمة " .
فقلت: " ماذا يبغي ؟ " .
قال: " يبغي الزواج " .
فتضاحكت وقلن لجدي: " ما شأني بزواج ود الريس ؟ "
فقال جدي: " أنت وكيل العروس " .
لذت بالصمت. فقال جدي وهو يظن أنني لم أفهم: " ود الريس يريد أن يتزوج أرملة سعيد " .
مرة أخرى لذت بالصمت. فقال جدي: " ود الريس لا يزال شاباً، وهو صاحب مال. وعلى أي حال المرأة يلزم لها الستر. ثلاثة أعوام مرت على وفاة زوجها. ألا تريد الزواج أبداً؟ ".
قلت له أنني لست مسؤولاً عنها. أبوها كوجود وأخوتها، فلماذا لا يطلبها ود الريس منهم؟ فقال جدى: " البلد كلها تعرف أن مصطفى سعيد جعلك وصياً على زوجته وولديه " .
قلت له أنني وصي على الولدين ولكن المرأة حرة التصرف وأولياؤهم موجدون. فقال جدى: " أنها تثق بكلامك. لو حدثتها فقد ترضى ".
أحسست بغيظ حقيقي أدهشني، إذا أن هذه الأشياء مألوفة في البلد. وقلت لجدي: " أنها رفضت رجالاً اصغر منه سناً، أنه يكبرها بأربعين عاماً ". لكن جدي أصر على أن ود الريس شاب وأنه ميسور الحال وأنه متأكد أن أباها لن يمانع ولكن المرأة نفسها قد ترفض ولذلك أرادوا أن يجعلونني واسطة خير.
حبس الغضب لساني فلذت بالصمت. وقفزت إلى ذهني صورتان فاضحتان في آن واحد. ولشدة عجبي، أتحدت الصورتان في ذهني، وتخيلت حسنة بنت محمود، أرملة مصطفى سعيد، هي المرأة نفسها في الحالتين - فخذان بيضاويان مفتوحتان يف لندن، وأمرأة تئن تحت ود الريس الكهل، قبيل طلوع الفجر في قرية مغمورة الذكر على منحنى النيل. أن كان ذلك شراً فهذا أيضاً كذلك. وأتصور حسنة بنت محمود، أرملة مصطفى سعيد، في الثلاثين من العمر، تبكي تحت ود الريس الذي بلغ السبعين، ويتحول بكاؤها إلى قصص من قصص ود الريس الذي المشهورة عن نسائه الكثيرات، يتندر بها رجال البلد، فيزداد الغيظ في صدري ضراوة. ولم أستطع البقاء فخرجت، وسمعت جدى ينادي ورائي فلم التفت و وفي بيتنا سألني أبي عن سبب غضبي فحكيت له القصة. ضحك وقال: " هل هذا شيء يثير الغضب؟ " .