المشاركات الشائعة

الجمعة، 24 ديسمبر 2010

تأملات تراثية في التعابير
الجمالية لجسد المرأة
أ. د. علي أسعد وطفة


يتأصل الجمال في طبيعة الإنسان فالله قد خلق الانسان على صورته وهو جميل يحب الجمال. ولذا فالإنسان ميال بطبعه الى عشق الجمال نزاع الى استجوابه ومناشدته حيثما وجد في الطبيعة وفي الكلمة وفي الأشياء وفي الإنسان نفسه .
واذا كان الإنسان جميلا فان الطبيعة خصت المرأة بالجمال الذي يندر مثيله فـي الكون فجعلت منها آية من آياتها وسرا من اسرارها فإذ هي جمال يتفتق بالجمال ويفيض بالسحر ويعبق بالجاذبية وينضب بالمعاني الجميلة .

منذ بدء التكوين والرجل يقف مسحورا أمام جمال المرأة وفتنتها حيث وجد فـي سحرها وجمالها ينبوع الهامه فاذ به يستوحي جمالها في بناء جمال الاشياء التي تجسدت فـي الادب والفن والروائع والاحداث الجسام .

كان جمال جسد المرأة يلعب وما زال دور اساسيا في ايقاظ الرجل على معاني الجمال وصـوره جميع الحضارات الانسانية الاولى ومنه انتقل الفلاسفة والمفكرون والفنانون الى غيره من مظاهر الجمال في الطبيعة والنفوس والمنازل والابنية ( عبد اللطيف شراره : 72).
فالجمال والحب توأمان لا يقوم احدهما مـن غير الاخر وفي ذلك اشارة الى ما يفعله الجمـال فـي نفوس البشر والى مدى تأثيره في قلوبهم. وها هو افلاطون نفسه لا يميز في كتابه " المائدة " بين الحب والجمال إذ يقول " إن الحب هو التمتع بالجمال لان فكرة الجمال هي الحقيقة الساميه ( أوسفلد سفارتس : علم نفس الجنس, ص. 145) ).

وإذا كان الحب هو اساس كل تقدم انساني بما يوحيه من اندفاعات وتضحيات فإن الجمال هو معين الحب وملهمه. فعالم الحب هو عالم النفس البشرية في جملته ومن استطاع أن يتذوق جمالياته [...] كان حريٍا به أن يدرك اسرار النفس الانساني (شرارة : ص.11) ).

لقـد قـدر لشخصيات التاريخ العظيمة من شعراء وادباء وفنانين أن تدرك لمحات الجمال وأن تستشعر عظمته " فامتازوا بقدرتهم العجيبة على الحب وتفردوا بذلك اللهب الداخلي الذي جعلهم لا يملون الجهد من أجل غيرهم ومن اجل العطاء والابداع " (شراة ص .16) ).

وكان لجمال المرأة لدى كل شعب طراز يصفه شعراؤه ويتغنى به عشاقه ويرسمه مصوروه وينحت له التماثيل مثالوه وتجهد النساء في تحقيقه (شـرارة ص. 74 ) .
ففي اليونان القديمة كان مقياس الجمال الانثوي عند اليونان يتمثل فـي المرأة الممتلئة قليلا كما يلاحظ في التماثيل والرسوم اليونانية ( خماش : ص.29 ).

كان احساس العاشق بجمال عشيقته في الجاهلية يتحول على يد الحب الـى ضـرب مـن العبادة [...] وكـان العرب الجاهليون يرون في جمال المرأة محور احاديثهم واداة الوحي الكبرى لشعرائهم ( شرارة ).

لقـد وجد ديون Dion سنة 1977 أن جاذبية الوجه تعد نقطة الارتكاز الاولى للجاذبية, وأنها تساعد صاحبها أو المتعامل معه على إقامة علاقات اجتماعية اكثر استدامة ووفاقا, كما أن لذلك أثرا بينا في توجيه السلوك نحو مسالك لا تتسم بالضعف والعدوانية .

" وتبين الدراسات الجمالية الجارية بشكل عام أن الافراد الاكثر
جاذبية من ناحية الشكل يملكون في نظر من يتعاملون معهم خصائص ايجابية, بعكس الذين لا يملكون هذه الجاذبية فينظر اليهم على أنهم يحملون خصائص سلبية " (الخشت: ص 72 ).

وتتعـدد وجهات النظر في تحديد شواخص الجمال عند المرأة فهناك من ينظر الى الجمال الانثوي في رشاقة الجسم وانسيابه, بينما يركز آخرون على تناسق الوجه وبهائه, في حين يجمع البعض في نظريتهم بين اعتبار رشاقة الجسد وبهاء الوجه . وثمة رجال يفضلونها ممتلئة, وآخرون يرغبون فـي الرفيعة, وهناك من تعجبهم معتدلات الجسم, كما أن بعض الرجال يتوقون الى السمراء, وآخرون الى الشقراء, وطائفة يجبذون البيضاء .

فللجمال الجسـدي ألوان مختلفة وأنماط متعددة, وتؤكد احدث
الدراسات التي وقعت عليها أيدينا تنوعا كبيرا في نظرة الرجال الى الجوانب الجماليه للجسد الانثوي .

ويتجسد جمال المرأة الجاهلي في القصيدة اليتيمة التي تمثل إحدى اللوحات الرائعة لجمال المرأة في منظور الثقافة الجاهلية وهي من اقدم اللوحات الفنية إذ لم تكن اقدمها على الاطلاق. تقول القصيده:

بيضاء قد لبس الاديم اديم
الحسن فهو لجلدها جلـــد
ويزين فوديــها إذ حسرت
ضافــي الغدائر فاحم جعد
فالوجه مثل الصبح مبيـض
والشعر مثل الــليل مسود
ضدان لمـا استجمعا حسنا
والضد يظهر حسنه الضــد
وجبينها صلت وحاجبـــها
شخط المخط ازج ممــــتد
فكأنها وسنى إذ نظـــرت
أو مـدنف لما يفق بــعد
بفتور عين ما بـها رمـد
وبها تداوى الاعين الرمد
وتريك عرنينا به شمـــم
أقنى وخٍدا لونه الـورد
وتجيل مسواك الأراك علـى
رتل كأن رضـــابه الشهد
والجيد منها جيـد جؤزرة
تعطو إذا ما طالها المرد
وأمتد من اعضائها قصــب
فعم تلته مرافــــق درد
والمعصمان فما يرى لهما
من نعمة وبضــــاضة زند
ولها بنان لو اردت لــه
عقدا بكفك أمكن الــعقد
كأنماسقيت ترائبــــهـا
والنحر ماءالورد إذ تبدو
وبصدرها حقان خلتهــمـا
كافورتين علاهما نـــــد
والبطن مطوي كما طويــت
بيض الرياط يصونه الملد
وبخصرها هيف يزينـــــه
فإذا تنوء يكاد يتــقـد
والتفت فخذاها وفوقهمـا
كفل بجانب خصرها نهـــد
فتيامها مثنى اذ نهضــت
من ثقله وقعودها فـــرد
والساق خرعبة منــــعمة
عبلت فطوق الحجـل مـنسد
والكعب ادغم لا يبين لـه
حجم وليس لرأسه حـــــد
ومشت على قدمين خصرتـا
والينتا فتكامل الــعقد
ما عابها طول ولا قصر
في خلقها, فقوامها قصــد

يقـول محمد عثمان الخشت: " احتل جمال المرأة مكانة خاصة في الأدب العربي فطالما تحدث الشعراء والأدباء عن مفاتن المرأة وبهائها " ( الخشت: ص. 76 ) .

لقـد ربط العرب منذ وقت مبكر بين الجوانب الجماليه الجسدية في الانثى ومجالات الابداع في الادب, وقد بلغ ذلك التعبير حدا من الروعة لا يقل عـن التعبير الابداعي لحضارات أخرى لجأت الى اساليب متنوعة كالنحت والسيراميك في الحضارة اليونانية والرومانية, والرسم في الحضارة الرينساس والعصر الحـديث . فضلا عن أنها تتعادل في دقتها أحدث الابحاث المعاصرة في مقاييس الجمال الانثوي ( الخشت : ص. 76 ).

لقـد ابدع العرب واي ابداع في وصف جمال العيون اذ غالبا ما ينجذب شعراء العرب الى حوراء العينين: ( شدة البياض والسواد, ويقال الحور اسوداد المقلة كلها كعيون المها ( البقر الوحشي ). وفي ذلك قال جرير :

" إن العيون التي في طرفها حور
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا "

وهناك كثرة كاسرة من النصوص الأدبية النثرية الرائعة التي تصف جمال المرأة ومنها ما قاله ألأخوان عمرو وربيعة عندما سألهما ابوهما عن صفات أحب النساء اليهما فقال عمرو :
الهركولة.. اللفاء(1) .. الممكورة(2) .. الجيداء(3)... التي يشفي السقيم كلامها... ويبريء الوهيب الهامها, الفاترة الطرف (4) الفلة الكف.. العميمة الردف.
أما أخوه ربيعة فقال :
الفاتنة العينين.. والاسيلة الخدين (5)... والكاعب الثديين (6)... الرداح الوركين (7)... الشاكرة القليلة... المساعدة للحليل... الرخيمة الكلام (.8
لقـد أرسـل الحارث بـن عمرو ملك كندة امرأة يقال لها عصام الى
ابنة عـوف لكي تتعرف على اوصافها لما اخبره البعض بكمالها وجمالها وعندما عادت استنطقها بالقول المأثور: ما وراءك يا عصام " .
فقالت: " رايت وجها كالمرآة المصقولة... يزينها شعر حالك كأذناب الخيل, إن ارسلته خلته السلاسل, وان مشطته قلت: عناقيد جلاها الوابل, وحاجبين كانهما خظا بقلم أو سودا بحمم (1)... وبينهما أنف كحد السيف الصنيع... حفت به وجنتان (2) كالارجوان (3)في بياض كالجمان(4). شق فيه فم كالخاتم, لذيذ المبتسم, فيه ثنايا غر ( بيضاء ), ذوات أشر ( الأشر تباعد بين الأسنان ), تقلب فيه لسان بفصاحة وبيان, بعقل وافر وجواب حاضر, تلتقي فيه شفتان حمراوان تجلبان ريقا كالشهد اذ دلك .. وفي رقبة بيضاء ركبت كدمية.. وعضدان ممتلئان لحما, مكتنزان شحما, وذراعان ليس فيهما عظم يمس ولا عرق يجس.. نتأ في صدرها ثديان كرمانتين يخرقان عليها ثيابا.. تحت ذلك بطـن طوي كطي القباطى المدجنة (5).. كسي عكنا(6) كالقراطيس المدرجة, تحيط بتلك العكن بسرة(7) كمدهن (8) العاج المجلو.. خلف ذلك ظهر فيه كالجندول (9) ينتهي الى خصر, لولا رحمة الله لا نبتر...
لها كفل (10) يقعدها اذا نهضت, وينهضها اذا قعدت كأنه دعص(11) رمل تحمله فخذان لفٍـا كأنهما نضيـد الجمان (12). تحتهما ساقان خدلتان (13), كالبردتين وشيتا (14) بشعر أسود كأنه حلق الزرد (15).. ويحمل ذلك قدمان كحذو اللسان; فتبارك الله كيف تطيقان حمل ما فوقهما. وما أن سمع ملك كندة هذه الاوصاف, حتى أرسل من يخطبها له من أبيها وتزوج منها ( الخشت: ص82-83 ) .
وخلاصة القول أن الحب عند العرب كان ينبعث ويتحرك في النفس عن تأثير الحواس بجسد المرأة وإشعاعاته. وكان الجاهلي يعجب بتحركات المرأة ويلمس فيها الجمال وفي هذا يقول الشنفري :

ويعجبني أن لا سقوط خمارهـا
إذا ما مشت, ولا بذات تلـفٍت
كأن لها في الأرض نسيا تقصه
إذا ما مشت, وإن تكلمت تبلت


وهذا ما يقوله الأعشى في وصف مشيتها :

غراء فرعاء, مصقول عوارضها
تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوجل
كأن مشيتها من بيت جارتهـا
مٍر السحــــابة لا ريث ولا عجـــــل


ومن أجمل ما قيل في المرأة قول خالد صفوان في وصفه وجهه الى ابو العباس السفاح: " وحسبك من جمالها أن تكون فخمة من بعيد مليحة مـن قريب اعلاهـا قضيب واسفلها كتيب كأنها كانت في نعمة ثم اصابتها فاقة فأثر فيها الغنى وأدبها الفقر ( عن كتاب العقد الفريد: كتاب المرجانة الثانية في النساء وصفاتها ) .


" وقـد ظلت هذه الصفات الجسمانية في المرأة مثال اعجاب العربي وموضوع غزله واهتمامه الى يومه هذا فلم يختلف بذوقه عن الجاهلي في شيء كثير وما زال تراثه القديم في هذه الناحية يعمل عمله في نفسه عن وعي منه وغير وعي " ( شرارة : ص. 78).


سئل اعـرابي عن النساء وكان ذا تجربة وعلم فقال: أفضل النساء اطولهن اذ قامت, واعظمهن إذ قعدت, وأصدقهن إذ قالت, والتي اذا غضبت حلمت, وإذا ضحكت ابتسمت, وإذا صنعت شيئا جودت, التي تطيع زوجها وتلزم بيتها العزيزه فـي قومها الذليلة في نفسها, الودود الولود وكل امرها محمود (شراره :ص.79).


قال عبد الملك لرجل من غطفان " صف لي أحسن النساء " قال " خذها يا أمير المؤمنين: ملساء القـدمين, ردحـاء الكعبين(1) مملوءة الساقين, جماء الركبتين (2) لفاء الفخذين, مقرمدة الرفغين(3), ناعمة الاليتين, بداء الوركين, مهضومة الخصرين , ملساء المتنين, فخمة الذراعين, منيفة المأكميتين (4), فعمة العضدين (5) فخمة الذراعين, رخصـة الكفين (6) ناهدة الثدين, حمراء الخدي, كحلاء العينين, زجاء الحاجبين(7), لمياء الشفتين (8), بلجاء الجبين(9), شـماء العــرنين (10) شنباء الثغر (11) حالكة الشعر(12)غيداء العنق (13) غيداء العينين (14) مكسرة البطن ناتئة الركب. فقال " ويحك وأنى توجد هذه " قال " تجدها في خالص العرب أو في خالص الفرس ( السناد : ص. 170) .


قال خالد بن صفوان لأبو العباس السفاح واصفا محاسن المرأه: " إن منهن يا أمير المؤمنين الطويلة الغيداء والبضة البيضاء والعنيقة الادماء والدقيقة السمراء والبربرية العجزاء ولو رأيت يا أمير المؤمنين الطويلة البيضاء والصفراء والعجزاء والسمراء واللعساء, والمولدات البصريات والكوفيات ذوات الالسن العذبة, والقدود المهفهفة والاوساط المخصرة والاصداغ المزرنفه والعيون المكحلة والثدي المحققه. (شراره:ص.107).

ومن بدائع وصف الحسناوات ما تسجله قصة الف ليلة وليله حيث جاء في وصف منار السنا :
" صاحبة وجه مليح وقد رجيح اسيلة الخد قائمة النهد دعجاء العينين ضخمة الساقين بيضاء الاسنان حلوة اللسان طريفة الشمائل كأنها غصن مائل بديعة الصفة حمراء الشفة بعيون كحال وشفايف رقاق على خدها الايمن شامة وعلى بطنها مـن تحت سـرتها علامة ووجهها منير كالقمر مستديرة وخصرها نحيل وردفها ثقيل وريقها يشفي العليل كأنه الكوثر والسلسبيل, وبين فخذيها تخت الخلاقة, وهي بنت الملك الاكبر ( عبدالله بوحديبه : " الاسلام والجنس ص.196) ).


نظر خالد بـن صفوان الى جماعة في المسجد في البصره فقال ما هذه الجماعه ? قالوا امرأة تدل على النساء. فأتاها فقال لها . ابغني امرأه قالت صفها لي. قال :
" اريدها بكرا كثيب, أو ثيب كبكر, حلوة من قريب فخمة من بعيد, كانت فـي نعمة, فأصابتها فاقـة, فمعها أدب النعمه, وذل الحاجة. فإذا اجتمعنا كنا أهل دنيا, واذا افترقنا كنا أهل آخرة. قالت المرأة : لقـد اصبتها لك. قال: وأين هي. قالت: في الرفيق الأعلى من الجنه
فاعمل لها. ( محمد عثمان الخشت : ص .87 )


واذا كان العرب قـد اجادوا في وصف محاسن المرأه وأسرار جمالها فأبدعوا فـي ذلك وفجروا عبقريتهم الشاعريه فان ملامح هذه الصورة الجماليه ما زالت راسخة في العمق الوجداني للإنسان العربي. يقول بوعلي ياسين: " نلاحظ أن المفهوم الجمالي لدينا نحن العرب قد تأثر بعلاقـة المرأة بالطبيعة والحضارة, فالرجل الاسمر الذي لوحته الشمس جميل مثلما هي جميلة المرأة ناصعة البياض التي لم تر الشمس وجهها. " ولا أقول أن المرأة العربية هـي التي اخترعت هذا الفهم الجمالي ولكنها فـي كـل الاحوال تتصرف بمقتضاه " ( بوعلي ياسين ص.112).

يقول نزار قباني في هذا الخصوص: " الانفعال بجمال المرأه كان
صحراويا بمعنى أن أمير الشعراء شوقي لم يستطع أن يتحرر وهو في باريس واسبانيا وجارون سيبني من رنين خلاخل البدويات ووسمهن وكحلهن وأوتاد خيامهن ( قباني : ص.22) .

بهذا يتبين لنا أن الادباء العرب القدامى وأيضا فقهاء اللغة وقـد نظروا الى جمال المرأة على اسس تكاملية بين جميع اعضاء الجسد ومكوناته. وهذا يظهر وجه التشابه بينهم وبين نظرة اليونان الى الجمال الانثوي, وإن كان كل منهم يلجأ الى شكل مختلف من اشكال التعبير الفني. فإذا كان العربي القديم يلجأ الى رسم لوحة شعرية بالكلمات للانثى الجميلة, فإن اليوناني القديم كان يلجأ الى فن النحت, فينحت تمثالا لـ (فينوس) يضع فيه اجمل وأروع ما رأته عيناه أو خطر بخياله مـن صفات الحسنوات .


تؤكـد أحـدث الدراسـات عـلى أن العـامل الجسـدي الشـكلي هو أكثر
التـوامل تـأثيرا في انجذاب الاطفال والفتيات بعضهم الى بعض فمن كان شكله جذابا منهم ذكر أو أنثى يحظى بقبول اكبر وحب أعظم. فقـد جاء في دراسة قام بها وجنز Wiggins سنة 1968م ودراسة اخرى قـامت بهـا سالي بك Sally Beck في جامعة بتلر بأمريكة سنة 1979: أن الفروق الفردية بين الرجال في اخيارهم للإناث تعكس خصائص شخصية الذكروخلقيته الاجتماعية والثقافية والحضارية, وهذا يتضح كالآتي: إن الرجال الـذين يختارون الانثى البدينة هـم عادة غـير مستقرين
عاطفيا, واهتماماتهم قليلة بالتحصيل الاكاديمي والامور الجمالية .

-------------------------

(1) الهركولة مـن النساء: العظيمة الوركين واللفاء: التي ضاق ملتقى فخديهـا لكثرة لحمهـا .
(2) الممكورة: ذات الساق الغليظة المستديرة الحسـناء.
(3) الجيداء: التـي طـال عنقها وحسن .
(4) الطرف : العين. ويقال: طرف فاتر : فيه ضعفت مستحسن.
(5) الردف : العجز ومؤخر كل شيء .
(6) (أسل )اسالة: ملس واستوى فهو اسيل . ويقال خد اسيل, وكف اسيلة الاصابع .
(7) (كـعبت) الفتـاة-كعوبـا: مهد ثديها, أي برز وارتفع, فهو كعـاب وكـاعب.
(8)الـرداح الـوركين : أي ضخمة تردف سمينة الاوراك .
(9) الرخيمة الكلام : التي لان كلامها ورق ولطف.

-------------------------------

(1) الحممـة: بـوزن رصية: ما أحرق من خشب ونحوه. والجمع بحذف الهاء ويقصـد كأنمـا سـودا بفحـم .
(2) الوجنـة مـا أرتفـع من الخدين
(3) الارجـوان: شـجر مـن الفصيلـة القرنية له زهر شديد الحمرة حسن المنظر وليسـت له رائحة .
(4) الجمان : الفضة .
(5) القباطىء جمع قبطية ثياب من كتان بيض رقاق كانت تنسج بمصر المدرجة والملفوف في الملامسة .
(6) عكنت : الجارية: صارت ذات عكن, وتعكن البطن: صار ذا عكن والعكنة : ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا.(7) البسرة: واحدة البسـر, وهو الغض من كل شيء .
(8) المدهن : آلة الدهن وقارورته.
(9) الجـدول : النهـر الصغـير .
(10) الكفـل : الـردف أي مؤخرة المرأة وعجيزتها .
(11) الدعص : الكثيب والمجتمع من الرمل المستدير .
(12) نضيـد: الجمان اللؤلؤ المنظوم الفضة المنضدية التي يكون بعضها فـوق بعـض .
(13) حدلتــا : مملؤتــان .
(14) وشــيئا : حليتــا وزينتا.
(15) الزرد : الدرع .

----------------

1- عبداللطيـف شرارة:" فلسفة الحب عنـد العرب ", مكتبة الحياة, بيروت, .1960
2- جـلال السـناد : "دراسة سوسيولوجية للامثال الشعبية في دير الزور " أطروحة ماجيستير , كلية الآداب جامعة دمشق , دمشق , .1988
3- بـوعـلي ياسين :" أزمة المرأة في المجتمع الذكوري العربي ", دار الحوار, اللاذقيه , .1992
4- نزار قباني :" عـن الشعر والحب " , بيروت , دار العلم للملايين بيروت , 1976 .
5- محمد عثمان الخشـت :" المرأه المثاليه في أعين الرجال ", مكتبة ابن سينا, القاهره , 1988 .
6- عبدالله بو حديبه : " الاسلام والجنس ", تعريب هالة العورى, مكتبة مدرولي , القاهره ,1987 .
7- سلوى خماش : " المرأه العربيه والمجتمع التقليدي " , دار الحقيقه بيروت ,.1981
8- أوسـفلد شـفارتس :" علـم النفس الجنسـي " , تعـريب شعبان بركات , المكتبه العصريه , صيدا , بيروت , 1972 .
9- نور الدين العتر: " ماذا عن المرأه ", دار الفكر , دمشق 1979 .
10- خـليل احمد خليل :" المرأه العربيه وقضايا التغيير: بحث اجتماعي في تاريخ القهر النسائي ", دار الطليعه , بيروت ,.1985
11- صـلاح الدين المنجد :" امثال المرأه عند العرب : ما قالته المرأه العربيـه ومـا قيـل فيهـا " , دار الكتـاب الجديد , بيروت , لبنان.1981



* أ.د.علي أسعد وطفة
كلية التربية - جامعة الكويت
إنتظرني عند منتصف القلب
هبة عبده عثمان
" سمرية "


إنتظرني عند منتصف القلب
سأكون حافية القدمين· مبللة بالشوق
واقفة داخل المساحة البيضاء
فارغة من كل شيء، ممتلئة بك
حولي قناديل وشموع وقلب يحتويك·

إنتظرني عند ناصية العمر
حواسي شمعة تتوهج في ميعادنا الأول
تتلاعب بها الريح حين تغيب عني
يتقاذفها الشوق حين انبت عن رحم الإنتظار

أشتهيكْ
ادعوك لتنتظرني عند منتصف القلب
سأكون هناك في الموعد، اتزين بحبات الوجد
أتعطر باللهفة وردائي الأزرق
على انغام (الفالس) نشعل القلب بالشوق
نرقص خلف الكواليس وانت تضع نبضك فوق همسي
وصوتك فوق لوني
احبك وانت تغرقني في ضوء القمر،
كسحابة تائهة ترفعني من قمة الحزن إلى عمق الابحار فيك
تذوبني بين اناملك كقطعة ثلج
أحلم بلقائنا عند منتصف القلب
تتوحد دائرة الحزن بيني وبينك
يتحول الشوق إلى نار حمراء· يتحول الصبر إلى قرنفلة
والحلم بيني وبينك وجع مقيم··· وذاكرة كصفقة صفراء
عند منتصف القلب أكون أنا كدفقة ماء
بلا لون غير طيفك، بلا عطر غير انفاسك، بلا نكهة غير همسك
أحلم معك بامسية عذبة تنهل من ضياء الفجر أكسيره الشفيف
أكون حاضرة ومعي أشواقي واشياء اخبؤها في خزانة احزاني

انتظرني عند منتصف الحزن
فقلبي فجوة في كهف الأحلام
تسكنه الخفافيش
وبين شقوقه
هوام وبومة عرجاء مقيمة هناك من ألف عام
سأنتظرك بشوق تراب جاف
وأرتجيك ان تشعل عتمته بنبضك المضئ

انتظرني عند منتصف الشوق
سأفرد حنيني رداءً·· مراكشي
وألف حولك لهفتي كما تلف الريح وجه المطر
أضمك بين ضلوعي كما يضم الحقل حبة الثمر
انتظرني عند منتصف القلب
فما زلت احلم بك
واهفو إليك
كما تهفو ليلة شتوية للقمر
أحبك
ان جئتني اليوم
أو ظللت حلمي المنتظر
انتظرني يا عيوني ولو ليلة عند منتصف القلب
كما ينتظر الوادي عودة النهر·


* شاعرة من السودان
قضبان المجون التي...
جوزيه حلو
الإهداء إلى
فينوس غاتا خوري ـ صلاح ستتية


قلتَ :
تعالي !
يا أمرأة كل اللحظات
فمكِ يناديني
بين قضبان المجون التي
تدفعينها شبقاً بقبضتيكِ
خذيني
فأنا بعض الغيوم الهابطة ليلاً بحنينكِ


* * *
منذ ألف عام وقرون
وأنا معصيّة
وخطايا أحفاد آدم
جسدكَ الطاهر غفراني

* * *

الملائكة ظل نساء عاشقات
والتعلّق فيكَ هو إمتداد للشوق والرغبات
أبحث عنكَ لأحميكَ من الوقت والغياب
أنتَ المُشتهى
وأنتَ المُنتهى
جراح القلوب مفتوحة
تعصف بالشهوات المحجوبة بالمسافات
تطير الأحلام حوريات
لتحطَ على سريرك
وتبقى أنتَ هناكَ
بين المدى وجفون ليل لا تنام

* * *

أجساد محبوسة بخطوط الأرض والعرض
وأنين جرحى الأوطان المهجورة
يودعكَ
كما تودعكَ بحيرات طيور البجع السوداء
وكؤوس النبيذ الحزينة
يسكبها القمر على أجساد عطرها أقحوان


* * *
قالوا :
إن بهاء عينيكِ توارى حروباً سوداء
وأن نهديكِ يرضعهما جنون مستحيل
وأن خيالكِ ليس بريحان
قلتَ :
أنتِ ماء الزهر
وفردوس عدَن سراب
من دون شقائق النعمان
أنتِ ولع الليل بطرف ثوبكِ الأحمر
وركوع الموت من أجل قبلة على شفتيكِ
أنتِ قصب السكر وكحول الليل
وهبوب الرياح المهاجرة
في كل مكان
وتيه اللقاح


جوزيه حلو ـ فرنسا



* عن موقع ايلاف
* عن موقع ادب فن
جولة خاطفة
في بعض كتب الحبّ العربية
حسيب شحادة



تعريف “ الحب” عسير جدا، وهناك تعريفات وإجابات متعددة وفق الأزمنة والثقافات والأديان والمنطلقات وحتى الأشخاص. على ضوء اختبارات بيولوجية ونفسية حديثة يخلص المرء إلى القول إن الحب ثوران هرموني ولكن لا يمكن بالطبع إغفال الجانب الروحي والثقافي. والشعور بالحب أنواع متعددة ومتشعبة، عشق الذات الإلهية، الحب بين الأطفال، حبّ الغير مثل الوالدين وحب الوطن وحب المال والجاه والسلطة والذات إلخ. وكان ابن حزم الأندلسي قد قال عن الحب " دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة ومن ذاق الحبّ ستعلمه التجربة سره..." ولكننا هنا سنتطرّق في هذه العجالة إلى الحب بين الرجل والمرأة. ومن البدهي استحالة وجود البشرية بدون الحب. ومنذ ملحمة جلجامش السومرية، قبل قرابة خمسة آلاف عام، كان الجنس والخصوبة مقدسين وعبر الجنس تحوّل البطل أنكيدو من البدائية إلى المدنية ومن الجهل إلى الحكمة. وإثر حلول مبدأ التوحيد، الديانات السماوية الثلاث، ظهر الكبت الجنسي لا سيما بالنسبة للأنثى.
والمجتمع العربي اليوم كأسلافه يسلك طريقين، الطريق الإيروتيكي السري والطريق المتدين المحتشم العلني. وكان عالم النفس الألماني إريش فروم (Erich Fromm) قد صاغ نظريته في الحبّ مستندا إلى التراث الشرقي في هذا الشأن، كما تذكر الدراسة “ صور الحبّ في الثقافة الإسلامية” للمستشرق السويسري يوهان كريستوف بورغيل (Johann C. Bürgel). ومما يجدر ذكرُه أن العلاقة الاجتماعية بين الجنسين في العصر الجاهلي كانت علنية واتسمت بالتلقائية والصراحة، ولم يستنكر الزوج حديث زوجته مع الآخرين لأنهم كانوا على ثقة وقناعة من عفة هذه المخالطات ولم يكن النظر إلى المرأة الغريبة حراما كما قالت الحشوية، (مشتقة من “ حشو” الناس، فرقة من المعتزلة تمسكت بظواهر القرآن، وقعت في التجسيم)! وقيل الكثير من الشعر والنثر في الحب العفيف والحسي مثل ما ورد في قولي امرء القيس وعنترة العبسي:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
ولقد ذرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددتُ تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المبتسم
بعبارة وجيزة، وُلد الحب العربي (وله عشرات الأسماء) وترعرع في كنف ظروف تتسم بالحرية الطبيعية والشجاعة والحكمة والوفاء والكرم الحاتمي والفراسة والفروسية والتضحية.
هناك وفرة من المؤلفات العربية التي تُعنى بالموضوع من جوانب عدة، الطب والباه والشبق والإجهاض والدين والجنس، وكل ذلك بوضوح ودون مواربة وتسمي الأشياء بأسمائها حتى الأعضاء التناسلية. والدور الهام الذي يلعبه الحب والجنس لدى العرب يتمثل في سعة هذا المجال الدلالي في العربية مثلا: تبل، تيم، جنون، جوى، شجو، شغف، شهد، شوق، فتون، صبابة، عشق، غرام، غزل، غمرات، كلف، لوعة، لهف، هوى، هيام، ود، وله.
والعين في الثقافة العربية منبع اللذة الإيروتية الحسية ولدرء وقوع الفتنة حُجبت عينا المرأة عن الرجل. والمرأة في الإسلام تمثل رأس الشهوات. وهناك في الأدب العربي ما يعرف بحب الغلمان أي اللوطية وقد يكون هذا مستقى من أصول فارسية وكان هذا الحب منتشرا لدى الإغريق أيضا. وكانت الإشارة إلى أسماء النساء سمة من سمات الغزل منذ العصر الجاهلي بعكس ما يعرفه الغزل الفارسي مثلا. ومن مسلّمات الأمور أن القرآن والحديث النبوي هما دعامة نظريات الحب في الإسلام. ويمكن العثور على خلاصة هذه النظريات في بعض المؤلفات مثل “ إحياء علوم الدين” و” التبر المسبوك في نصيحة الملوك” لأبي حامد الغزالي. ويرى الغزالي أن التناسل هو الهدف الأول من الجِماع إلا أنه يشير إلى فوائدَ أخرى مثل اللذة الناتجة عن الجماع وهي تذكّر بنعيم الفردوس ومع هذا يذكر أن مثل هذه اللذة قد تنطوي على مخاطرَ جمّة. ويرى الغزالي مثلا أن على المرأة “ أسيرة الرجل” المكوث في البيت وعدم التزوج من آخر في حين يحقّ للرجل القيام بما يشاء. ويقول الغزالي “ كل ما ينال الرجال من البلاء والهلاك والمحن فبسبب النساء”.
ومن المعروف أن عمر بن أبي ربيعة (644-712)، “الموكّل بالجَمال” كان أول شاعر غزل في الإسلام، وشعره حسي لاذع وطبيعي. إنه زعيم الغزليين وأجاد في وصف المرأة بديوانه بجزئياتها خارجيا وداخليا. ونقرأ عن الحبّ الحسي أيضا عند عند أبي نواس وابن الحجاج وفيه تحلل ومجون كثير. كما واستخدم الغزل العذري منذ البداية صورا دينية أيضا كما ورد في نظم جميل بثينة:
هي البدرُ والنساء كواكب وشتّانَ ما بين الكواكب والبدر
لقد فضّلت حسناً على الناس مثلما على ألف شهر فضّلت ليلةُ القدر
أما عن الحب العذري (نسبة إلى عُذرة، بطن من قضاعة، التي اشتهر أبناؤها وفق الروايات بالحب الأفلاطوني) فهناك الكثيرون مثل من سمي باسم محبوبته مثل جميل بثينة وقيس بن الملوح المعروف بمجنون ليلي بنت سعد العامرية وعروة مع عفراء وكثير عزة وتوبة وليلى الأخيلية وكلاهما شاعران (ينظر مثلا في " في الحب والحب العذري" للدكتور صادق جلال العظم و" الحب عند العرب" للدكتور عادل كامل الألوسي).
وللأديب الكبير المعتزلي الجاحظ (ت. 868) ذي النظرة التأملية الثاقبة وجهة نظر في هذا الصدد أدبيا ونفسيا واجتماعيا عبّر عنها في “ رسالة القيان” و “كتاب النساء” عصارتها: طيبات الدنيا وعلى رأسها الأنثى مُسخّرة للرجل فهي خُلقت من ضلعه ويُنظر في الآية “ نساؤكم حرثٌ لكم” في سورة البقرة رقم 223 وينظر أيضا في سورة النجم الآية 32. ويضيف امتلاك الجواري لم يحرّم لا في القرآن ولا في السنّة والنساء بمنزلة المشامّ والتفاح الذي يتهاداه الناس بينهم. وقد حلل مفهوم الحب من وجهة نظر عقلانية. ويضيف قائلا إن القوم لم يروا بأسا في تنقّل المرأة بين عدة أزواج. ومن الخصال العديدة للجمال في نظر الجاحظ الخصر النحيف.
وقد يكون كتاب “ الزهرة” للفقيه ابن داود (ت. 909) أول مؤلَّف يتطرق للحب المتبرعم في قصور الأمراء وفيه الكثير من النماذج الشعرية ومحوره، في الواقع، حديث ضعيف الإسناد يقول “ من عشق فعفّ وكتَم ثم مات فهو شهيد”، والحب في نظره انقسام روح كروية كل نصف يكما الآخر . والطبيب الشهير الرازي (ت. 925) يرى بالعشق بلية وهو حظّ المخنثين وأشباه الرجال. ونقطة كتم السر تتبوأ مكانة أساسية في كتاب “ المصون في سرّ الهوى المكنون” للأديب الأندلسي إبراهيم الحصري (ت. 1022). أما “ طوق الحمامة” للوزير والعالم الأندلسي المعروف ابن حزم (ت. 1064) ففيه شعر ونثر رفيع، يتناول موضوع الحب بعلمية وبناء على تجارب شخصية فهو قد تربى وترعرع في حجور النساء، ورأى في إقامة علاقات حبّ مع الإماء أمرا لا غبار عليه. وفي فصل خاص عن الاتحاد الجنسي يقول إن ذلك ذروة السعادة والغبطة وفي الحب شعور عميق بالأمن والثقة. وكان الفيلسوف ابن سينا (ت. 1037) قد عرّج على مجموعة من الأفكار في “ رسالة في ماهية العشق” منها أن الله فقط هو المحبوب “ الأول” وعند معاينة المخلوق الجميل يرغب الإنسان في المعانقة والتقبيل والاتحاد ورأى في الجنس نعمة الله للإنسان. كما وقارن العشق بالكآبة الحادّة. ومن المعروف أن الجنس مسألة جوهرية في الثقافة الإسلامية، إنه طاقة فطرية جسدية كامنة لا بد من تصريفها. وهناك كتاب “ مصارع العشاق” للسراج )ت. 1106( حول الحب العذري المحض وحب الجواري والغلمان ذوي الطلعة البهية على حدّ سواء. وفي القرن الثالث عشر نجد مثلا كتاب “روضة العاشق ونزهة الوامق” لأحمد بن سليمان الكسائي وهو بمثابة تجميع أخبار أهل الهوى وبعده في القرن الرابع عشر كتب مغلطاي بن قليج “الواضح المبين في ذكر من اسشتهد من المحبين” وهو عبارة عن معجم أبجدي لحكايات من رحلوا عن هذه الفانية من فرط الحب. الحب العربي كان سببا كافيا للموت.
وفي الشعر الأندلسي نرى أن الحب أمر لا مفر منه وفيه الكثير من التهور ويؤول إلى الجنون، إنه مرض لا علاج له وينطوي على قوة خلاقة عظيمة. وكان الصوفي الأندلسي الكبير، ابن عربي، )1164-1240( قد أعرب عن فكرة مفادها أن الجمال الإلهي ينعكس على أروع ما يكون في الأنثى ويضيف أن هذه الحقيقة تفسر شغف النبي العربي بالمرأة ويتكلم عن حبّ الحبّ. وفي هذه الفترة الزمنية ظهر أول كتاب عن الحب يكتبه صوفي هو الديلمي “ عطف الألف المألوف على اللام المعطوف ” وبعده جاء “ سوانح ” للغزالي )ت.1111( ويؤكد الديلمي أن الحب مرض. وفي كتابه “ ذمّ الهوى” لابن الجوزي الحنبلي )ت. 1200( مناشدة لابن داود للعودة إلى الرشد وسواء السبيل. ولابن عربي، الشيخ الأكبر، الكثير والعميق والهام مما يقال في هذا المجال، مثلا:
لقد صار قلبي قابلا كل صورة فدير لرهبان وأوى لغزلان
وترتيل إنجيل وترنيم كعبة ومصحف توراة وآيات قرآن
أدين بدين الحبّ أنّى توجهتْ ركائبُه فالحب ديني وإيماني
وتقول الباحثة اللبنانية المختصة بتراث ابن عربي أن الحب عنده ذو مراتب ثلاث: الحب الطبيعي وهو حسّي؛ الحب الروحاني وهو اتحاد الحسي والمعنوي وهو القائل “ ذات المحبوب عين ذات المحبّ وذات المحبّ عين ذات المحبوب”؛ الحب الإلهي وهو روحي خالص، لا مسحة أرضية تشوبه، كحب ابن عربي نفسه للصبية الأصفهانية، والحب في نظره علّة الوجود ومرشدوه في الطريق الروحي موسى وعيسى ومحمد. ومما قاله ابن عربي:” كل محب مشتاق ولو كان موصولا؛ من خرج عن أصله فهو غريب وعذاب الغربة شديد، الشقي غريب في الآخرة والسعيد غريب في الدنيا فطوبى للغرباء”.

* عن
حسيب شحادة
الحوار المتمدن - العدد: 2198 - 2008 / 2 / 21
نَحْوَ قمَرِ الباطِنِ أزْحَف
محمد الصادق الحاج


يا ذاكرةَ الشَّمْسِ المَحْكُوكَةَ برنينِ عربةِ الهُلاس الرَّصاصيَّة إنَّ يديكِ تهشَّان المياهَ التي ألْجَمَتْهَا اللَّهفةُ بحبلٍ مفتولٍ من خيوطِ قميصِها وغيابِها،
والوَجْهُ الذي اْلتفَتَ بحيرةٍ قبالتَك،
ما كان إلاَّ وجهُكِ ذاتُهُ، منقولاً بدقَّةٍ من رقعةِ كينونتِكِ إلى رقِّ الأفق الجلديّ!.
غائماً كانَ، ومتوارياً خلفَ ملكوتٍ مهتَزّ،
ملامحُهُ مَلْصُوقَةٌ بلعابِ المهارةِ الناجزة،
وفي إستدارتِهِ الطَّفيفةِ نحوَكِ لَهْوٌ مبلَّلٌ بالغيابِ وسَرْنَمَةٌ مقصوصةُ الرُّؤْيا،
فكان أنْ تهيَّأ للرَّنين الملفوفِ بعنايةِ حولَ مِبْسَمِ الوَهْلَةِ أنْ يقرأَ - وسط شوائبَ من رغبتِهِ البسيطةِ في تقبيلْ العدم - أُكتُوبَةَ الويلِ المهْرَقةَ كالحُكَاكِ إذْ ينتابُ المطرَ وهو يقاتلُ الرَّحْمَانَ على مفاتيحَ دُودِيِّةٍ مختومةٍ بأبواب المواسمِ أوْفاقاً وتعْمِيَات.
إنَّها الحمامةُ، - يا صوتَكِ المُرَجَّلَ بآثارِ خُطَى الخريفِ على قلبِ الحكايةِ المحترق - تحرثُ - عاقدةً جبينها بهُراء الغيومِ الوسخة -
حقلَ اللَّذَّةِ، روضَتَها، وتبسطُ على النَّأمةِ أرْصادها الزَّمانيَّة الجديدة،
فتقومُ فوق الزِّئْبق حالةٌ مجرَّدةٌ من الغبنِ، تعصفُ كشتاءٍ جنينيٍّ مخبولٍ خاطفٍ ثمَّ تهمد، تاركةً على الزُّلالِ الرَّجراجِ الأبِيِّ بقاءً غامضاً يشفُّ عن إحداثٍ بيانيٍّ مقطوعٍ، يُشْبِهُ جُمَارَ الهندسة في مراحيض أطلانتس، والحمامة، لاهثةً، تنحتُ أقفالاً شمسيَّةً من بازلت الرُّبَّما.
هي العبَّاسيَّةُ، حمامةُ أورانوس، تجرشُ رفيفَها الجافَّ على رَحَى الهواءِِ النَّفيسِ، وتشدو:
( - يا هواءُ
يا مكنوناً داخل اْبتسامة،
يا مُجَوْهَراً بأنياب الهدوءِ الصَّاحب،
وَجِّهْ بذورَ الاسمِ نحو كونةٍ أُخرى،
أمَّا كفّك،
فَسِرْ بها على خيال الحرامات البورِ
واْمْحُ الطبيبات،
أُمْحُ الطحالبَ القياميَّةَ مُوْدَعَةً في جميلٍ يذِلُّهُ الشَّفق،
أُمْحُ الرملَ الرَّاسبَ في جفنِ رحلتنا الباسلةَ نحو أيدينا،
واْجمعْ بأنامل النُّحاس التي لك ما تساقطَ من جوعنا النَّاضج،
أنتَ يا أُمَّنا).
إنَّما الكونُ حصاةُ تتدحرج مع القوافلِ عبرعينٍ مسدَلَةٍ فيَّاضةٍ بالعراءات تصُبُّ في غابةٍ ملفوفةٍ بقوسِ قزحٍ طفلٍ، وتتعرَّجُ بين اصطخارات السناء الهيِّنة، متخلِّلةً دغلَ الفراسةِ الحديديَّةِ المحْتُوتةِ بلَّورةً بلورةً تحت سافَنَّا المدارات الفاخرة، متخطِّيةً حلبةَ الملامح إلى عُضَالٍ مَطْرُوزٍ بالعصافيرِ ومطاعنِ الذَّهَب.
يتزلَّجُ الكونُ ثَمِلاً عبر ذلك كلّه، فَتَلْقَفُهُ يَدُ أَمِّنَا وتُقَشِّرُه
ثُمَّ تَفْقَأُ وَاوَاتِهِ المُسْتَعْصِيَاتِ على مقالةِ الهلال، لينفتحَ في الإثرِ إثنان وخمسون نهراً أسوداً متأهَّباً بعيونِهِ وتَقَرُّحَاتِهِ لِتَلَقِّي ما تحلبه الأمُّ من عُصَاراتِ المَخِيضِ الكونيِّ اليابسِ الذي عجزت الشمسُ المربِّيةُ الشَّديدةُ عن أن تجعلَه لائقاً بخيولِ أمراءِ أورانوس.
أمّا الجلالُ المنحوتُ من نَقَاوَاتِ أخوالِ الفضَّةِ الثَّرثارة،
فعابثاً مُسْتَهْزِئاً في قلة الطيرِ، يتبلَّلُ بالصَّباحاتِ المتناثرةِ من شفاهِ الأبقارِ الطَلِيقَةِ في سَهْلِ الخَاطِرِ الوَعْر،
الأبْقارُ التي تُبَعْثِرُ بأظلافِها الْبُرُوجيَّة هَوَاجسَ الحَجَرِ الأَرْقَانِ، باحِثَةً عَنْ وَقْتٍ طائشٍ غَافلَ الرُّعْيانَ وأنزلَقَ مِنْ على مُتُونِها جارِفَاً مَعَهُ الوَرْدِيَّةَ الأجْنِحَةَ والمَرَاثِيَّ والخَشَب،
ومِنْ وَسْطِ فُتَاتِ الهَوَاجسِ وتَعَرُقَاتِ الحَجَر، كان صَوَتٌ أخْفَى، يَتَسَلَّقُ النُّسغَ السَّرَطَانيَّ المُتَفَتِّقَ في طالعِ المِيَاهِ الفارغة...،
وَلَكنَّ نُشوبَ الصَّخرِ في الحوافِّ المُسْتَدِقَّةِ لِهامةِ العَبَث،
يُعَرِّضَ الوقتَ المُغامرَ في هيأتِهِ المصْنُوعةِ لإخْتِطَافٍ مُبْطَنٍ في ما يُشْتَبَهُ أنَّها أصابِعُه.
لا، فألزُجاجُ الآنَ يَرْفَعُ تُهْمَتهُ الصَّفراءَ التي تَسَتَدِلُّ على بَذَخِها في علاماتٍ فاحِمَةٍ مُسْتَوعَبَةٍ طَيَّ الزَّمنِ الخاصِّ كَعُقْلَةٍ أو كَبُرعمٍ على جذوعِ الأفْكارِ اللّيّنة،
ما في مُسْتَطَاعِ الوقْتِ، برغْمِ حِذْقِهِ وصَلَفِهِ، أنْ يُسَوِّي عمامة الفارس الحمراء،
ولا أنْ يَتَنَاولَ ذاتَهُ الهَضِيمَةَ التي اْنحَلّتْ عَنْ خَيَطِها الباقي خَفِيفاً مُعْلَقاً بحَلَمةِ الأذُن،
وتَرَدَتْ كَرِيمةً كريمةً،
فَإنَّ باباً ما، يَمِيلُ شَرِيفاً، بحَنَانٍ، نَحْوَ الذاكِرَةِ المُقَلَّبَةِ بمحراثِ الرَّنين،
كَأنَّما لِيَلْثُمَها
كَأنَّما لِيُخْبِرها، أنأ قَمِيصُكِ المُموَّهُ بالحَطَب،
كَأنَّما لِيَشْتَغِلَ أنْحَاءها بِحَائِكٍ مِنْ غُرُوب،
كَأنَّما لِيَمْرُقَ عَبْرها، ثُمَّ يَصْرُخُ بفَخْرٍ أحْمَقٍ، يا للعالم!، ها قد عَبَرَتني!...
مُسْتَكْثِراً على الهُلاسِ بَنِيهِ المَاهِدِين جِبِلاتِهِم الخَطَّاءةَ لِرُقَادِ الحَرْبِ ولِلسِفَاحِ المُؤاخى،
يَصيحُ كَجَمْرةٍ بَصِيرة،
أيَّها الْبابُ الضَّاربُ رَمْلَ الرُّوح،
أدِرْ وَجْهَك نَحْو فَنارِ حزْنِي،
أيَّتُها الرُّوحُ الضَّاربةُ رَمْلَ اللّهْفَةِ،
أدِيرِي وَجْهَكِ نَحْوَ البابِ،
نَحْوَ نَفَسِهِ الطَّافِيةِ فوقَ زَبَدِ المقاومة،
وأعْبُرِيني.



أم درمان
يوليو- 97

* مواليد 1976
له مخطوطات شعرية وروائية :
هيسبرا
جنائن الهندسة
التماثيل العزيزة
خطاب العشق
في الأدب العالمي المعاصر

دراسة
د. نزار بريك هنيدي

يحتل خطاب العشق مكانة متميزة في الأدب العالمي المعاصر. وإذا كان من نافل القول أن الحب يشكل المادة الأولى التي ينهل منها الشعراء أعذب الصور وأشجى الأنغام، ويستمدّ منها الروائيون والمسرحيون أهم مواضيع أعمالهم وأكثرها غنى وحيوية، منذ أن كان الشعر وكان الأدب. إلا أن الظاهرة التي أعنيها هنا هي قيام عدد من مشاهير الشعراء والروائيين والنقّاد في العالم بتخصيص كتب بكاملها للتأمل في مسألة الحب، ودراسة أحواله المختلفة، وتقصّي علاقته بالنفس البشرية وبالسلوك والمصير، وتأثيره في الإبداع الأدبي والفني. وكذلك الإدلاء بشهاداتهم حول تجاربهم الشخصية وكشف أغوار حياتهم العاطفية.‏

وفي الحقيقة، فإن هذه الظاهرة ليست جديدة تماماً، فقد عرفنا في التاريخ الأدبي عدداً من الكتب المماثلة، وإن كانت قليلة ومتفرقة. وربّما كان أولها كتاب (فن الهوى) الذي وضعه الشاعر (أوفيد) منذ ألفي عام، وكذلك كتاب الحب الهندي (كاماسوترا)، وكتب الحب العربية.‏

فمن الجدير بالذكر أن لأجدادنا العرب مكانة متفرّدة في هذا النوع من التأليف، فقد أعطوا العالم عدداً من كتب الحب التي استطاعت اختراق الثقافة الغربية وبقيت تشكل المرجع الرئيس في بابها طوال عصور عديدة، وما زالت تلعب دورها المؤثر الكبير حتى يومنا هذا. وعلى رأس هذه الكتب كتاب (الزهرة) لأبي داود و(طوق الحمامة) لابن حزم، و (الروض العاطر في نزهة الخاطر) للشيخ النفزاوي. وربما كان خير دليل على ذلك أن التأثر الجليَّ والواضح بهذه الكتب يشكل قاسماً مشتركاً بين جميع مؤلفات الحب الحديثة التي نتناولها في هذا البحث، بالإضافة إلى عامل مشترك آخر، لا يخلو من الطرافة، يتجلى في كون هذه المؤلفات قد كتبها أصحابها في أواخر أعمارهم، بعد أن حققوا الكثير من الشهرة الأدبية العالمية، وبعد أن تجاوزوا سنّ الشباب والنضج أيضاً! وقد يذهب المرء في تفسير ذلك إلى أن الكتابة في الحب وشؤونه تحتاج إلى تراكم التجارب الحياتية والخبرات المعرفية. إلا أنه قد يكون للمسألة وجه آخر يتجلى في شعور الأديب بلا جدوى المجد الأدبي الذي أفنى أيامه في بنائه، واكتشافه المتأخر بأن الحب وحده هو المعنى الجوهري للوجود، والبهجة الكبرى للحياة، فراح يتأمل ما أضاع، في مغامرة تعويضيّة، تتيح له العودة إلى تجربة الحب، ولو على الورق!.‏

ومهما يكن من أمر، فإن دراسة هذه المؤلفات تتيح لنا أن نصنفها في ثلاث مقاربات متباينة بعض الشيء، بحسب طريقة تناولها لموضوع الحب، والمنظور الذي تتخذه حياله، والغرض الذي يضعه الكاتب نصب عينيه. وكذلك بحسب شخصية الكاتب والفن الإبداعي الذي يمارسه. ويمكن لنا أن نجمل الملامح الهامة لكل من هذه المقاربات فيما يلي:‏

1-المقاربة الأولى:‏

ويمكن لي أن أسميّها: المقاربة الاسترجاعية الاستقرائية. إذ يقوم المؤلف باسترجاع نصوص العشق التي رسخت في ذاكرته خلال عمله الطويل في قراءة ودراسة الأدب العالمي في عصوره المختلفة، ويتخذ منها مادةً البحثٍ يستقرئ فيه الأبعاد العاطفية والجمالية واللغوية التي انضوت عليها تلك النصوص، في محاولة لإعادة إحيائها وتفعيل وظائفها، دون أن يخفي العامل الذاتي الذي يتمثل في حنينه المستثار إلى التجربة العشقية، وتداخل مفردات خطابه النظري مع محطات حياته الشخصية.‏

ومن أهم الكتب التي تمثل هذا الاتجاه في المقاربة كتاب (رولان‏ بارت)(1) الذي يحمل عنوان (شذرات من خطاب في العشق) الذي ترجمته إلى العربية الدكتورة إلهام سليم حطيط والأستاذ حبيب حطيط، وصدر عام 2000 ضمن سلسلة (إبداعات عالمية) التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت.‏

و (رولان بارت) من أشهر منظّري البنيوية واللسانية، ولد عام 1915، وله عدد من المؤلفات التي أصبحت حجر الزاوية في الدراسات النقدية واللسانية الفرنسية الحديثة ومن أشهرها (الكتابة في درجة الصفر) و (لذة النص) و (إمبراطورية الأدلة). أما كتابه (شذرات من خطاب في العشق) فقد كتبه في آخر حياته، أي قبل ثلاث سنوات فقط من وفاته عام 1980.‏

وفي هذا الكتاب، قام بارت بجمع عدد كبير من شذرات ما قيل في العشق من مصادر متنوعة، أهمها أفلاطون وغوته ونيتشه والفلسفة البوذية وأشعار الهايكو اليابانية وكذلك من ابن حزم صاحب (طوق الحمامة)، بالإضافة إلى أحاديثه مع الأصدقاء ومن تجارب حياته الشخصية.‏

ويقوم منهجه في الكتاب على استرجاع كلمة أو صورة أو شذرة من المصادر السابقة، ثم يضعها في (إضبارة العشق) مستعملاً صوريّة خطاب العشق بدلاً من وصفه كما يقول، ومعيداً لهذا الخطاب شخصيته الأساسية أي (الأنا) للعرض لا للتحليل. ومن هذه الصور: الغياب، الانتظار، التوله المفاجئ، الألم، التماهي، أحبك، كم كانت السماء زرقاء، الجسد، القلب، الحنان، الانتحار، الحقيقة، النميمة. ثم يدرسها محاولاً الغوص إلى الدلالات الخفية والمشاعر العميقة التي تتبطن خطاب العشق، وزفرات العشاق.‏

2-المقاربة الثانية:‏

ويمكن تسميتها مقاربة الحنين والإثارة، إذ ترتكز على الإحساس الصريح والواضح بالحنين إلى أيام الصبا والشباب التي لم يتم استغلالها كما ينبغي. لذلك لا بد من البحث المحموم عن الوسائل التي تعين على استثارة الحواس واستعادة الحيوية لتدارك ما فات. وفي سبيل ذلك يتم تحريض الذاكرة واستنفار المعارف والخبرات، ودراسة عادات الشعوب وتقاليدها لاستخلاص الوصفات السرية التي تستخدم لإثارة الرغبة.‏

ومن الأمثلة على هذا النمط من المقاربات كتاب (أفروديت)(2) التي كتبته الروائية التشيلية المعروفة (إيزابيل الليندي) بعد أن تجاوزت الخمسين من العمر، وقد ترجمه رفعت عطفة وصدر عن دار ورد في دمشق عام 2000. ولإيزابيل الليندي عدد من الروايات التي ترجمت إلى معظم لغات العالم وجعلت منها أهم كاتبات أمريكا اللاتينية وأكثرهن شهرة، ومن أهمها (ابنة الحظ) و (بيت الأرواح) و (باولا) و (عن الحب والظلال).‏

تقدّم الليندي لكتابها بمدخل واضح الدلالة تقول فيه: حين تغيب الشمس ويميل المرء طبيعياً للتأمل، تصير الخمسون سنة مثل آخر ساعات المساء. ومع ذلك فالغروب في حالتي يدفعني للخطيئة، وربما لهذا السبب في خمسينيتي أتفكر بعلاقتي بالطعام والإيروسية. نزعة الجسد أكثر ما يغويني، على الرغم، وتلك هي المسألة، من أنه ليس أكثر شيء مارسته. ثم تقول بصراحة مطلقة: أندم على الحميات، الصحون اللذيذة التي رفضتها بطلاناً، كما أحزن على فرص ممارسة الحب التي تركتها تفوتني لانشغالي بأعمال عالقة، أو لفضيلة متشددة.‏

وعن سبب إقدامها على تأليف هذا الكتاب تقول: أريد الاستمرار بالتمتع بما تسمح به قواي وحسن مزاجي، ومن هنا جاءت فكرة هذا الكتاب الذي هو رحلة دون خريطة عبر مناطق الذاكرة الحسيّة. وهي تعرّف (الأفروديتي) بأنه أية خلاصة أو نشاط يثير الرغبة بالحب، بعضها يملك ركيزة علمية ومعظمها يعمل بدافع الخيال. وتعلن غاية كتابها: أرمي في هذه الصفحات إلى أن أقدّم، بأفضل ما عرفت، وصفاً لأكثر الأفروديتيات شيوعاً.‏

وتتوالى فصول الكتاب متضمنة عدداً كبيراً من وصفات تحضير الأطعمة ذات التأثير المهيج أو الأفروديتي بحيث يبدو الكتاب وكأنه كتاب تعليم فن الطبخ، ولكنه الطبخ الخاص بإثارة الشهوة الجنسية.‏

بالإضافة على مجموعة من الحكايات والنوادر والأشعار التي استقتها المؤلفة من قراءاتها في آداب شعوب العالم، ومنها الأدب العربي ممثلاً بشكل خاص بألف ليلة وليلة وكتاب الروض العاطر للنفزاوي. كما ضمّ الكتاب مجموعة من اللوحات الفنية اختارها الفنان روبرت شكتر، وتقول المؤلفة إنها كانت تنوي أن تضيف إلى كتابها قرصاً يضم تسجيلات لمقطوعات موسيقية ذات تأثير أفروديتي أيضاً..! وخلال ذلك كله تقدم المؤلفة لوحات من حياتها الشخصية المتعلقة بالحب والجنس، كما تصف لنا تجارب قامت بها على عدد من المتطوعين الذين دعتهم لدراسة تأثير (أفروديتياتها) عليهم. وتغري القارئ بقولها: إذا استطاعت هذه الصحون أن تفعل هذا الفعل في عجائز مثلنا، فما الذي لا تستطيعه معك.؟!‏

3-المقاربة الثالثة:‏

وهي مقاربة التأمل والكشف والإبداع، وهي مقاربة تبحث في الأساس الوجودي للحب كمفهوم يجسد البعد الأسمى لعلاقة الإنسان بالعالم، ويعطي الحياة معناها الأقصى. وفي سبيل ذلك يتم سبر أغوار التجارب البشرية المختلفة عبر التاريخ، وتبيين الثابت والمتحول في فهم وممارسة الحب في العصور المختلفة وعند الشعوب المتباينة. وتحديد الفاصل بين الحب والجنس والنشوة، وربط جوهر التجربة العشقية بموقف الإنسان من العالم والطبيعة والوجود. واستقصاء التشابك المعقد بين الحب والإبداع.‏

وربما كان خير مثال على هذا الاتجاه كتاب (اللهب المزدوج)(3) للشاعر المشهور (أوكتافيو باث)، وهو الكتاب الذي ألفه في سنوات عمره الأخيرة وصدر بلغته الأصلية عام 1993، كما قام بترجمته إلى العربية الأستاذ المهدي اخريف، وصدرت الترجمة عام 1998 ضمن المشروع القومي للترجمة الذي يقوم به المجلس الأعلى للثقافة في مصر.‏

ومما هو معروف أن (أوكتافيو باث) واحد من أهم شعراء القرن العشرين، ولد في مدينة مكسيكو سيتي عام 1914، وأصدر عدداً كبيراً من المجموعات الشعرية التي ترجم معظمها إلى مختلف لغات العالم، ومنها (قمر بري- تحت ظلك الوضاء- بذور النشيد- السفح الشرقي- حجر الشمس- وغيرها) كما أصدر عدداً من الكتب النظرية والنقدية والفكرية، من أهمها (القوس والقيثارة- الصوت الآخر- اللهب المزدوج- متاهة الوحدة).‏

وعن سبب قيامه بتأليف كتاب (اللهب المزدوج) الذي نحن بصدده، يقول: (أليس من المضحك قليلاً أن أكتب في نهاية أيامي كتاباً عن الحب، أم أن الأمر يتعلق بوداع أو وصية؟.. مرت أسابيع عديدة من التردد، فجأة، ذات صبيحة بدأت الكتابة بيأس فرحان. وبقدر ما كنت أتقدم، كانت أفكار جديدة تتولد.‏

كنت أنوي كتابة بحث من مئة صفحة لكن النص كان يتمدد أكثر فأكثر بتلقائية عاتية حتى كفَّ عن التدفق، فركت عيني: لقد ألفت كتاباً).‏

يعتبر أوكتافيو باث إن الجنس هو النار الأصلية البدائية التي ترفع اللهب الأحمر للإيروسية، وهذه بدورها تسند وترفع لهباً آخر أزرق مرتعشاً هو لهب الحب. فالإيروسية والحب هما (اللهب المزدوج) للحياة. حسب تعبيره.‏

وكما هو واضح فإن المؤلف يميّز بين الحب، في مدلوله الخاص، وبين الإيروسية والجنس، بالرغم من العلاقة الحميمة بين هذه المجالات الثلاثة، فالجنس هو أقدم هذه المظاهر الثلاثة، هو المنبع الأصلي، أما الإيروسية والحب فشكلان مشتقان من الغريزة الجنسية: تبلّرات، تصعيدات، انحرافات، وتكثيفات تحول الجنس وتغيره. إن الجنس كما في حالة الدوائر المتمركزة هو مركز وقطب هذه الهندسة العاطفية. أما الإيروسية فهي جنس محوّل من لدن التخيل والإرادة، فالإيروسية مقصورة على الإنسان وحده، وهي تتميز بالتنوع اللا نهائي للأوضاع والطرائق التي تظهر بها في جميع العصور وجميع المناطق، الإيروسية ابتكار وتنوع مستمر، أما الجنس فهو نفسه دائماً. تتجسد الإيروسية في شكلين رمزيين: شكل المتدين المتوحد وشكل الشخص الإباحي، وبالرغم من كونهما متعارضين لكنهما متحدان في الحركة ذاتها: كلاهما ينفي وظيفة التناسل وكلاهما يمثل محاولة للخلاص أو الانعتاق الشخصي في عالم منهار وفاسد.‏

أما عاطفة الحب فتمثل استثناء داخل ذلك الاستثناء الأكبر الذي هو الإيروسية في مقابل الجنس. فمنطقة الحب فضاء ممغنط باللقاء بين شخصين، وفيها تتقاطع الإمكانات الموضوعية والذاتية، إذ إن فكرة اللقاء تتطلب بدورها شرطين متعارضين: فالجاذبية التي يشعر بها العاشقان هي فعل لا إرادي، يؤكد من مغناطيسية سرية قادرة على كل شيء، وهي في الوقت نفسه اصطفاء، جبرية واختيار.‏

ويميز المؤلف أيضاً بين الشعور بالحب، وبين فكرة الحب المتبناة من لدن مجتمع وعصر معينين. فالحب هو الميل السري العاطفي نحو شخص واحد فقط، أي أنه تحويل لـ (الموضوع الإيروتيكي) إلى فاعل حر وفريد، إلا أنه لا بد من القبول بوجود إيديولوجيات متعددة للحب في مختلف الحضارات. فإذا كانت فلسفة الحب في الغرب، منذ البداية، مدركة خارج الدين الرسمي، وأحياناً في مواجهته، فإنَّ الحب في الشرق قد كان معيشاً ومفكراً فيه داخل الدين، ولربّما أمكن اعتباره خطيئة، لا مروقاً، أما في الغرب فقد انتشر الحب دائماً في مقابل الدين، وخارجه، وحتى ضده. الحب الغربي وليد الفلسفة والإحساس الشعري الذي يحيل كل ما يلمسه إلى صور. إن الإدانة الصارمة للذة الجنسية والدعوة إلى العفة كطريق إلى الفضيلة والسعادة هما النتيجة الطبيعية للفصل الأفلاطوني بين الجسد والروح، والذي يبدو مغالياً في قطيعته.‏

تتوالى فصول الكتاب بعد ذلك لتدرس تاريخ الحب منذ تجلياته الأولى قبل التاريخ، عبر استقراء النصوص الشعرية والأدبية بشكل رئيس، ذلك أن ما قاله الشعراء والمسرحيون والروائيون عن الحب ليس أقل جمالاً وعمقاً من تأملات الفلسفة، بل أصح وأكثر تطابقاً مع الواقع الإنساني والبسيكولوجي في جل الأحيان على حد تعبير المؤلف.‏

ففي العصر الإغريقي نجد أن جل القصائد الإغريقية هي قصائد ايروتيكية أكثر مما هي قصائد حب. كما أننا لا نجد في المسرح الإغريقي حوارات عن الحب بالمعنى الذي نجده عند شكسبير مثلاً، ولذلك يجب المضي، من أجل العثور على بعض التمثيلات والتنبؤات لما سيكون عليه الحب عندنا إلى الاسكندرية وروما. حيث تعتبر قصيدة (الساحرة) لثيوقريط التي كتبت في الربع الأول من القرن الثاني ق. م من أولى القصائد الكبرى عن الحب. وهي ما زالت اليوم بعد مضي أكثر من ألفي عام محتفظة بكامل شحنتها العاطفية. ويقول المؤلف إن ثيوقريط لم يكن باستطاعته أن يكتب قصيدته هذه في أثينا أفلاطون، ليس فقط بسبب بغض الأثينيين للنساء، وإنما بسبب وضعية المرأة في اليونان القديمة. أما في العهد الاسكندري الذي يملك أكثر من وجه شبه مع عصرنا، فقد حدثت ثورة غير مرئية، فالنساء المحبوسات في غرف الحريم قد خرجن إلى الهواء الطلق وبرزن على سطح المجتمع، واغتنت حياة الطبقة الوسطى في المدينة بأهوائها الصغيرة والكبيرة، بمآزقها وحسها الاجتماعي وحماقاتها. كما أن المدينة القديمة نفسها تغيرت فانفتحت على الخارج، وتبادلت الأفكار والأشخاص والعادات والمعتقدات. وهكذا فإن ما قبل تاريخ الحب في الغرب ماثل في مدينتين كبيرتين: الاسكندرية وروما. ومع أن العصر الأوغسطي كان عصر الشعر اللاتيني العظيم، شعر فرجيل وهوراس وأوفيد، إلا أن قصائدهم كانت تنويعات متقنة على الموضوعات التقليدية الإيروسية مشربة بالأبيقورية، ومع ذلك فثمة شاعر أقل مستوى بكثير هو (بروبرسيو) الذي عاش بين 47 ق. م و 15 ق. م عرف كيف ينقل بعمق الأحزان والأفراح الكبرى للحب في قصيدته عن (سنتيا). ولكن موقف بروبرسيو وشعراء آخرين كان تحدياً للمجتمع وقوانينه.‏

وبالانتقال إلى فرنسا في القرن الثاني عشر، نجد الحب، وقد ظهر أخيراً، لا كهذيان فردي، أو استثناء أو ضلال بل كمثل أعلى لحياة عليا، فقد ظهر (الحب الغزل) أو المهذب، الذي كان تطلعاً مضمراً لذلك المجتمع الذي سيشكل فيما بعد الإبداعات الكبرى للحضارة الغربية، ويخص المؤلف بالذكر إبداعين اثنين: الشعر الغنائي، وفكرة الحب باعتبارها أسلوباً للعيش. ويؤكد أوكتافيوباث مقولة (روني نيلي) في أن التأثير المبكر والأعمق والحاسم هو تأثير أسبانيا المسلمة، فمعظم العلماء يعترفون بتبني الشعراء البروفنساليين لشكلين شعريين شعبيين عربيين أندلسيين هما الزجل والموشح. كما أن الشعراء البروفنساليين تبنوا التقليد العربي، فقلبوا العلاقة التقليدية بين الجنسين، فنادوا المرأة سيدتهم وأقروا بأنهم خدامها، وهذا التحول مثّل ثورة حقيقية في المجتمع بتأثير إسبانيا الإسلامية.‏

وفي الإيروسية فإن أرفع أنواع الحب كان هو الحب الطاهر، ويستشهد أوكتافيو باث بكتاب (الزهرة) لمحمد بن داود، حيث يولد الحب عنده من النظر إلى جسد جميل، ثم يتدرج من الجسماني إلى الروحاني. وبعد قرن على ذلك سيكتب الفيلسوف والشاعر ابن حزم، أحد وجوه الأندلس الأكثر جاذبية، كتابه (طوق الحمامة) المترجم إلى جميع اللغات الأوربية تقريباً، ويقول المؤلف أنه صادف بدوره صدى آخر لابن حزم لا عند الشعراء البروفنساليين فحسب، ولكن عند دانتي أيضاً. لقد كان الحب بالنسبة للبروفنساليين الذين ساروا على نهج ابن حزم والإيروسية العربية، ثمرة لمجتمع مطهر، لم يكن عاطفة تراجيدية، رغم مكابدات المحبين وأحزانهم، لأن الغبطة غايته النهائية، أي تلك السعادة الناتجة عن اتحاد اللذة بالتأمل، والعالم الطبيعي بالروحي، وهذا ما يجعل التجربة الصوفية أيضاً كالتجربة الجنسية: انصهار لحظي للمتعارضات، التوتر والارتخاء، التوكيد والنفي، الوجود خارج الذات والاجتماع مع فرد بعينه في حضن طبيعة رضية. لذلك من الطبيعي أن يستخدم الشعراء المتصوفون والإيروتيكيون لغة متماثلة. إذ لا توجد صيغ كثيرة للتعبير عما لا يمكن التعبير عنه. فقصائدنا الصوفية مشبعة بالإيروسية، وأشعارنا في الحب مشبعة بالتدين. ويستنتج المؤلف أن التصور الغربي للحب يبرز وجود تشابه مع التصور العربي والفارسي أكبر وأعمق من التشابه المحتمل مع مثيلهما في الهند والشرق الأقصى، ذلك أن كلا التصورين: الغربي والإسلامي، اشتقاق، أو مروق بالأصح، عن ديانتين توحيديتين كلتاهما تشترك في الإيمان بروح متفردة خالدة.‏

وبعد مرور ثمانية قرون على الشعراء البروفنساليين، أو (الحب الغزل) يتساءل أوكتافيو باث: هل تغير النموذج الذي قدمه لنا هؤلاء الشعراء؟ ويجيب أن تاريخ الآداب الأوربية والأمريكية إنما هو تاريخ تحولات الحب، وما يثير الدهشة هو استمرارية وثبات فكرتنا عن الحب، لا تغيراته وتنويعاته. فقد بقيت العناصر الجوهرية للحب على قيد الحياة منذ ثمانية قرون، في نفس الوقت الذي ظلت العلاقات بينها في حالة تغير لا ينقطع منتجة تركيبات جديدة كل مرة. والعناصر الجوهرية لفكرة الحب هي: التفرد، فالحب فردي، أو بالأحرى شخصي جواني. والحرية فالحب يخترق الممنوعات. ومفارقة السيطرة والخضوع، ثم الاتحاد القابل للفصل بين متضادين: الروح والجسد. أما الجمال، ففضلاً عن كونه معرفة شخصية، فهو لا يلعب إلا دوراً ثانوياً في جاذبية الحب التي هي أعمق بكثير، ولم يتم بعد التوصل إلى تفسيرها بشكل تام، ذلك سر مبهم تتدخل فيه كيمياء خفية تنتقل من حرارة الجلد إلى التماعة النظرة، من صلابة النهدين إلى طعم الشفتين. فالجاذبية مركب ذو طبيعة مرهفة تختلف باختلاف كل حالة وهي مكونة من خلائط حيوانية وأنماط روحية، من تجارب طفولية ومن أشباح تسكن أحلامنا. الحب ليس رغبة في الجمال بل تشوفاً للاكتمال. والحب هو أحد ردود الفعل التي اخترعها الإنسان ليحدق في الموت وجهاً لوجه!.‏

وعندما يصل أوكتافيو باث في رحلته عبر تاريخ الحب، إلى العصر الحاضر. الذي يصفه بأنه عصر التبسيط والفظاظة، والذي انتهى بعد سقوطه في وثنية الأنظمة الأيديولوجية، إلى عبادة الأشياء. يتساءل: أي مكان للحب في عالم كعالمنا هذا؟ ففي هذا العصر تمثل مصادرة الإيروسية والحب على يد سلطات المال وجهاً واحداً فقط من غروب شمس الحب، أما الوجه الآخر فهو تبخّر مكونه الجوهري: الشخص (الفرد)، والوجهان معاً يكملان ويفتحان منظوراً للمستقبل المحتمل لمجتمعاتنا هو البربرية التكنولوجية. فإلى جانب الأضرار الاقتصادية والسياسية التي أصابت المجتمعات العصرية، هناك أيضاً أضرار أخلاقية وروحية. بعضها يهدّد أساس مجتمعاتنا برمتها: أي فكرة الشخص الإنساني. تلك الفكرة التي كانت منبع الحريات السياسية والثقافية، كما كانت خالقة أحد الاختراعات الإنسانية الكبرى: الحب.‏

ويؤكد أوكتافيو باث أن الإصلاح السياسي والاجتماعي للديموقراطية الليبرالية الرأسمالية يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع إصلاح آخر للفكر المعاصر لا يقل إلحاحاً واستعجالاً، وإن الحوار بين العلم والفلسفة والشعر يمكن أن يكون مقدمة لإعادة تشكيل وحدة الثقافة، ومقدمة أيضاً لانبعاث جديد للشخص الإنساني الذي هو المنبع والحجر الأساس للحضارة. ولكي نتمكن من تجديد الحب، حسب مطلب الشعراء، ينبغي أن نخترع الإنسان من جديد.‏

لقد سمحت لنفسي أن أقف الوقفة الأكبر مع كتاب (اللهب المزدوج) لأنه الأكثر غنى والأشد عمقاً. فالمقارنة بين المقاربات الثلاث تكشف لنا بجلاء ووضوح أن المقاربة الأولى كانت ذات طابع وصفي برّاني، تناولت موضوع الحب من خلال وسيط هو الشذرات الأدبية المختارة. والمقاربة الثانية كانت شخصية وذات طابع عملي تجريبي لم تهدف إلى التفكير بجوهر الحب بقدر ما كانت تعمل على إثارة الرغبة في ممارسته. أما المقاربة الثالثة فهي وحدها التي سعت إلى الغوص إلى أعماق تجربة الحب وتمييز الحدود بين الحب والجنس والإيروسية وكشف العلاقات الغامضة فيما بينها وكذلك البحث في علاقتها بالوجود الإنساني، واهتمت بدراسة العوامل التي آلت بالحب إلى ما هو عليه اليوم في ظل الحصار الذي تفرضه الأنظمة المعاصرة على كل ما يتصل بالجوهر الإنساني الأصيل.‏

وليس من قبيل المصادفة أن يكون مؤلف الكتاب الذي يمثل المقاربة الأولى هو فيلسوف وناقد كبير (رولان بارت) وأن يكون كتاب المقاربة الثانية لروائية من أشهر روائيي العالم المعاصر (إيزابيل الليندي)، بينما الكتاب الذي يمثل المقاربة الثالثة لشاعر هو (أوكتافيو باث). ذلك أن الشعر يبرهن مرة أخرى أنه الأكثر قدرة على الغوص إلى الأعماق، والخوض في التفاصيل، وإدراك الكليّات، واستحضار النائيات، واستشراف الآفاق. وما ذلك إلا لأن الشاعر - أولاً وأخيراً - هو الصوت الحقيقي للجوهر الإنساني!.‏

الهوامش:‏

1- رولان بارت: شذرات من خطاب في العشق، ترجمة إلهام حطيط وحبيب حطيط. المجلس الفضي للثقافة والفنون والآداب في الكويت، سلسلة إبداعات عالمية. عام 2000.‏

2- إيزابيل الليندي: أفروديت. ترجمة : رفعت عطفة- دار ورد- دمشق- عام 2000.‏

3- أوكتافيو باث: اللهب المزدوج- ترجمة المهدي أخريف. القاهرة. المشروع القومي للترجمة- المجلس الأعلى للثقافة في مصر- عام 1988.‏
كاما سوطرا لترتيب أعضائنا
نمر سعدي


قصيدة مجهولة لوضاح اليمن

الله أكبر والحب ُ
يا سيّدي القلب ُ
كلٌّ عيون الأفاعي
التي طاردتك َ وكل ُالكلاب ِ
التي نهشتْ ظّلها في الطريق إليكَ
رمتْ نفسها فيك َ فأحترقتْ
وعلوتَ على أنهر اللازوردْ
كلّ ما كانَ كان َ........
وتلك َ بلاد ٌ سماوية ٌ
حملت ْ طير َروحك َ
وهي تزفّ ُ الدموع َ إلى
كلّ ِ ارض ٍ سماوّية ٍ
كحنين ألنساء ِ الى ما تقول ُ
القصيدة ُ.......والريح ُ خدْ
روضة ٌ من حليب الغمام ِ
المراق ِ على عطشي
كلّ ُ رمانّها ألانثوّي ِ
يراودني في سرير الفراشة ِ
عن حنطة ٍفي الفضاء البهير ِ
خواتمُها , شمسها , ريحها ,
صحوها , ماؤها, قلبها المتسارع ُ ,
خلخالها ,صبحُها ,ليلها .............
كلّها إذ أجيءُ تراودني ......
/ عندما كنت ُ أنظرُ إليها
كانت غابات إستوائية تشهق ُ
تحت جلدي وتهرول الأنهار
الشمسية تحت ثيابي
عندما كانت تنظرُ اليَّ
كانت اللحظة تتحوّل الى
سنين ضوئيةٍ
مملوءةٍ برائحة ِ طيور ِ الماءْ /
كنت ُ ابحث ُ عن وجهها
في حديقة أركاديا
في دموع ِ العصافير ِ
وهي تحثُّ القصائد َ نحو الشمال ِ
وفي قدمين حليبيتين ِ
أفتشُّ عن نبضها المتسارع ِ
في القلب ِ مثل دفوف ِ المعارك ِ
أبحث ُ عن عطرها في ألهواء ِ
المكيّف ِ حتى النخاع ِ
برائحة ِ المرأة ِ/ العولمة ْ
كنت ُ اترك ُ في كلّ ِ برّ ٍ
صدى قلبي َ القرمزيّ ِ ......
وأسكب ُ في كلّ ِ بحر ٍ دمه.....
....................
لأجلك ِ شيءٌ لديَّ ولا
استطيع ُ الكلام ْ
ولا الصمت َ.......
من أين َ هذا الشعورُ الّذي
يشبه الذنب َ
او لعنة الحب ِ
من أينَ هذا الشعور ْ ؟
.......................
لا تخفك ِ الذئاب التي لبست ْ
دمنا خاتما ً خاتما ً
وإدّعي كاما سوطرا
لترتيب ِ أعضائنا
.......................
إمنحينيَ مجد الجمال ِ
وأعطيك ِ مجد الكلام ْ.

اكتوبر 2005